بعد أيام قليلة تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة بيومها الوطني السابع والثلاثين، وحين يماط اللثام عن المشاعر العميقة التي يكنها شعب الإمارات لوطنهم وقيادتهم، نجدها مشحونة بالفخر والاعتزاز وبكثير من الحب، وتتجه العيون دائما إلى تلك الإنجازات الرائدة التي تحققت وعبرت بمسيرة الاتحاد إلى بر الأمان، ووضعت في الوقت نفسه لبنات متينة في البناء الإماراتي العظيم، ولم يتوقف الزمن لدى القيادة الرشيدة عند تحدي البدايات فقط بل كانت الاستمرارية في تبني التحديات منهج الدولة.

وهذا ما يلمسه البعيد قبل القريب من خلال جملة من الرؤى واكبها العديد من التشريعات صنفت الدولة في مصاف الدول الأكثر نموا، ولعل الاستراتيجيات البعيدة التي اتخذتها حكومة دولة الإمارات وشددت على إنجازها كان لها الأثر في الارتقاء بمفهوم العمل والتصميم على الإبداع والإنجاز، ومن المتعارف عليه أن فكرة النجاح في تخطي العقبات تحتاج دوما إلى عمل متواصل ورغبة صادقة في النجاح نفسه، لذا كانت خطوات الدولة محسوبة في الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

ولعب هذا التدرج دورا في تسكين أركان الدولة الاتحادية، وكان له الأثر في الخروج من نطاق المفاهيم الضيقة للتجربة الاتحادية آنذاك والنزعات التي كانت تسيطر على البعض تجاه ذوبان الكيانات الصغيرة في الكيان الأكبر، ولعل تراكم التجارب والخبرات ساهم في تكوين رصيد جيد للدولة سواء من الأجيال المتعلمة والواعية التي تحمل مجاديف العمل الآن، أو حتى في تقويم مشوار التجربة وإعادة تصحيح الأخطاء وتلافيها.

في ظل هذه المناسبة الغالية وتوازيا مع الرغبات في تحقيق مزيد من النجاح في الاستراتيجيات على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا بد من الاقتراب من الصورة العامة التي بدأت تجتاح ملامحها العالم بأسره وتضع حسابات جديدة سيكون لها أبعادها في المرحلة القادمة ولا سيما أزمة السيولة العالمية وتداعياتها، وانخفاض أسعار النفط، وهذان الأمران كفيلان بتحول كبير قد يسهم في تباطؤ عملية التنمية المنشودة، ويترك ظلاله على بعض المشروعات.

ولعل أكثر الخبراء الاقتصاديين تفاؤلا يؤكدون على أن الأزمة لا تزال مستمرة حتى العام 2010، وهذا سيحتاج إلى إعادة غربلة الأولويات في بعض الإنجازات الاقتصادية المنظورة بخاصة وان الحكومات المحلية تتجه وبقوة إلى تمويل كثير من المشروعات العقارية الكبرى التي بدأت تأخذ حيزا كبيرا من مساحات الوطن ويروج لها عالميا لاستقطاب المستثمرين الأجانب، لتصبح قبلة العالم الراغب في التمتع بمقومات الأمن والأمان في الدولة.

وكما يقال رب ضارة نافعة، فإن أزمة السيولة قد تسهم في إعادة النظر في هذه المشروعات من وجهة نظر جديدة، لأن مقومات الأمن والأمان قد تتحول في ليلة وضحاها إلى مقومات خطر بخاصة حين يتدفق ملايين البشر إلى الدولة للبحث عن الفرص السانحة في عيشة الرخاء الأمر الذي يتسبب في إحداث انفجار سكاني غير مدروس، بخاصة وان زيادة السكان في دولة الإمارات تسجل سنويا نموا سكانيا هائلا تبلغ نسبته 8% محدثا فارقا بملايين النسمات نصيب نمو المواطنين منه 25 ,3 % .

فيما يبلغ نمو غير المواطنين 4,5%بشكل سنويا، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة في المرحلة القادمة، ومن المفيد الوقوف على حقيقة أن نمو السكان بهذا الشكل المطرد من وجهة نظر الاقتصاديين قد يسهم في تدمير الاقتصاد.

من جانب آخر نجد أن التحدي القادم يكمن في تداعيات انخفاض أسعار النفط التي تراجعت إلى أكثر من النصف، فبعد أن عاشت دول أوبك أعواما ذهبية بسبب ارتفاع أسعار البترول، ستضطر في ظل تراجع الأسعار إلى تعديل خططها واستراتيجياتها، ولعل دولة الإمارات واحدة من تلك الدول التي من الوارد إعادة تعديل استراتيجياتها التنموية القادمة وقد تضطر إلى خفض إنفاقها العام، أما من حيث تأثيرات هذا الانخفاض على أسواق المال فكما يرى بعض المحللين الماليين أن تراجع النمو في أسعار النفط سينعكس سلبا وبشكل سريع ومباشر وقاصم على سوق الأوراق المالية.

فقد استمدت أسعار الأسهم حركة نموها بقوة الدفع الممثلة في ارتفاع أسعار النفط وما ترتب على ذلك من وفرة السيولة وتوفر العقود التشغيلية، فيمكن القول إن أداء سوق الأوراق المالية من جانب المستثمرين والمتداولين يأتي انعكاسا لسوق النفط انخفاضا أو ارتفاعا لارتباطهم وجدانيا بأسعار سوق النفط وصناعه.

لكن هل يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى مستويات اقل للتضخم، لعل هذا ما يتوقعه صندوق النقد الدولي حيث من المتوقع أن تصل نسبة الانخفاض إلى 10 % وقد تدعو هذه الحقيقة إلى التفاؤل بخاصة وان التضخم قد قصم ظهور المواطنين، وحول حياتهم إلى جحيم بفضل نار ارتفاع الأسعار.

أما على صعيد الحياة الدستورية في دولة الإمارات والتي ينظر إليها بأن التجربة الأكثر تجددا وشبابا، فإن التحدي الذي واجهته الحكومة الاتحادية ونجحت إلى حد كبير في تحقيق بعض المنجزات التي يراها البعض تقدمية بالنسبة لدولة فتية لا تقارن تجربتها بتجارب الدول الأكثر تقدما والأطول عمرا وتجربة لعل أهمها اعتلاء المرأة الإماراتية مناصب وزارية أو برلمانية.

وتطلع القيادة إلى تفعيل الحياة البرلمانية من خلال الوصول بها إلى الانتخابات العامة وإضفاء الصفة التشريعية على المجلس الوطني رغبة منها في توظيف مناخ صحي سياسي، ورغم أن أصالة التوجه للانتقال من المرحلة الحالية إلى الخطط المستقبلية إلا أن توظيف هذه التوجهات عبر سلسلة من البرامج التحضيرية للدخول إلى حياة برلمانية لا تزال مؤجلة ولا يزال الانتظار سيد الموقف.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com