كان من الطبيعي أن تتعدد مواقف العرب إزاء فوز باراك أوباما في انتخابات الرئاسة الأميركية. فالموضوع خطير، والمشاعر متباينة، وتاريخ العرب مع أميركا طويل، ومشاكلهم معها متعددة، ومخاوف العرب من المستقبل شديدة، وأميركا تقع في صميم القضايا التي تدور حولها مخاوف العرب.
كتب كثيرون من المعلقين العرب يعبرون عن ارتياحهم لهذه النتيجة، وتفاءلوا جدا بالمستقبل، إذ رأوا فيها تحولا مدهشا في التاريخ الأميركي في اتجاه ديمقراطية حقيقية، واحترام حقوق الإنسان، والتسوية بين الأسود والأبيض. ألا يجدر بدولة اكتشفت أخيرا خطأها في التمييز ضد السود أن تكتشف أيضا خطأها في التمييز ضد العرب ؟
وأوباما يبدو ساخطا على الإدارة الأميركية الماضية، واعدا بالانقلاب عليها، وتصحيح الأخطاء الشنيعة التي وقع فيها الرئيس بوش. ألا يعنى هذا بالضرورة سخطه أيضا على موقف بوش العدائي من العرب والمسلمين ؟
ومن الواضح أن أوباما غاضب لما حدث في العراق، وكأنه يرحب بانسحاب القوات الأميركية من العراق اليوم قبل غداً، ودخول القوات الأميركية في العراق لم يكن قط في صالح العرب. نعم، كان صدام حسين شخصية كريهة جلبت مآسي كثيرة للعراقيين وسائر العرب.
ولكن ما فعلته الولايات المتحدة في العراق لم يكن أفضل مما فعله صدام حسين، لا للعراقيين ولا لبقية العرب. والمستفيدان الوحيدان من وجود القوات الأميركية في العراق هما أميركا وإسرائيل. ألا يجوز إذن أن يكون الانسحاب المأمول بداية لعلاقة من نوع جديد بين الولايات المتحدة وبين العرب ؟
وأوباما صرّح قبل فوزه بما معناه أنه مستعد أكثر من سلفه للتفاهم مع الإيرانيين. ألا يبشر هذا بالخير أيضا للإيرانيين والعرب معاً ؟
فجريمة ايران المزعومة (السعي إلى أن تصبح قوة نووية)، سبق أن ارتكبتها إسرائيل ولم تعترض الولايات المتحدة عليها. ألا يمكن أن يكون قدوم أوباما بداية لإنهاء هذا الإصرار الأميركي على أن تظل إسرائيل هي القوة الغالبة في منطقة الشرق الأوسط كلها ؟
عبّر كثيرون من المعلقين عن هذه الأفكار المتفائلة، وزاد من تفاؤلهم أن نجاح أوباما كان بأغلبية كبيرة، وأن نسبة اشتراك الأميركيين في الانتخابات الأميركية الأخيرة فاقت بدرجة ملحوظة نسبة اشتراكهم في المرات السابقة، وأن الفرح الذي استقبل به الأميركيون نجاح أوباما، خاصة بين الشباب، كان واضحا جدا، وكأن الأميركيون أنفسهم يشعرون بأن مجيء أوباما يمثل بداية صفحة جديدة في التاريخ الأميركي. ألا يجدر بالعرب أن يشعروا بشيء مماثل ؟
ولكن هناك أيضا العرب المتحفظين والمتشككين والمتشائمين. قال بعض هؤلاء ان تاريخ أميركا مع العرب لايفصح عن أي تغيير في موقفها منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل. فمنذ الرئيس ترومان وحتى الرئيس بوش الابن، كانت السياسة الأميركية ثابتة على المبدأ، وهو التمييز ضد العرب ولصالح إسرائيل.
وتقلبت الإدارة الأميركية بين حكم الجمهوريين والديمقراطيين، فلم يظهر من الديمقراطيين (حزب أوباما) أنهم أقل تحيزا لإسرائيل، بل ربما كان العكس هو الصحيح. أميركا في عهد كلينتون (الديمقراطي) لم تكن أقل تحيزا لإسرائيل منها في عهد بوش الأب (الجمهوري).
وجونسون (الديمقراطي) لم يكن أفضل للعرب من نيكسون (الجمهوري)، بل لقد حدث الهجوم الإسرائيلي على العرب في ؟؟؟؟ بتأييد أميركي سافر، في عهد الرئيس جونسون، بينما وقع الانتصار العربي على إسرائيل في ؟؟؟؟ في عهد الرئيس نيكسون.
ربما كان الاستثناء الوحيد (وحتى هذا ليس استثناء واضحا تماما) هو عهد الرئيس كنيدي، فقد كانت علاقة كيندي بجمال عبد الناصر أطيب من علاقة أي رئيس أميركي آخر بزعيم ينادى بالقومية العربية. وعلى أي حال فسرعان ما قتل الرئيس كنيدي، وكان ذلك في ظروف غريبة، حتى أنه لايعرف أحد حتى الآن الدوافع الحقيقية لمقتله. فمن أين يأتي التفاؤل للعرب إذن ؟
وشخصية الرئيس الأميركي (أو أي رئيس في الحقيقة، في العصر الذي نعيش فيه، وبعد أن انتهى عصر الشخصيات المؤثرة، عصر هتلر وموسوليني أو ونستون تشرشل وديجول، أو عصر كنيدي وخروتشوف) لم تعد تلعب دورا أساسيا في تشكيل السياسة العليا للدولة، خاصة لدولة عظمى. فإدارة دولة عظمى شيء أخطر بكثير من أن تترك خاضعة للأهواء والميول الشخصية لفرد واحد، مهما كانت قوته وجاذبيته الشخصية.
أمور السياسة العليا، خاصة في الدول العظمى، تحددها المصالح الكبرى، الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وهذه المصالح لابد أن يفهمها ويخضع لها أي رئيس ذكي، يفهم حقيقة دوره، وإلا أطاحت هذه المصالح به قبل أن يطيح بها. وأوباما رجل ذكي يفهم دوره جيدا، ويعرف حدوده، ويستطيع أن يميز بين ما يستطيع تغييره وما لا يستطيع.
لم يكتف بعض المعلقين العرب بهذا، بل ذهب بعضهم إلى حد وصف باراك أوباما «بالمنافق»، فهو يضمر غير ما يصرّح به، بدليل تغييره لبعض مواقفه كلما وجد أن نجاحه في الانتخابات يتوقف على تغيير هذه المواقف. قال شيئا أغضب الإسرائيليين ثم تراجع عنه، وقال شيئاً لصالح الإيرانيين ثم تراجع عنه.
وهو يتجنب تجنبا تاما التأكيد على التمييز العنصري ضد السود، حتى لا يفقد كثيرا من أصوات البيض. بل ومارس هذا الحرص إلى درجة جلبت عليه السخط من جانب السود أنفسهم. ولماذا نذهب بعيدا ؟
ها نحن نرى أسماء بعض من عينهم في وظائف مهمة للغاية في البيت الأبيض بمجرد فوزه في الانتخابات، ومن بينهم يهودي أميركي من أصل إسرائيلي. بل ذهب بعض هؤلاء المعلقين إلى القول بأنهم كانوا يفضلون نجاح المرشح الآخر (ماكين) على أوباما. فهو حقا معاد للعرب، ومتحيز لإسرائيل، ولكنه يفصح بصراحة عما في قلبه. وأجدر بالمرء أن يخشى العدو الذي يتظاهر بالصداقة أكثر مما يخشى العدو الذي يصارح بعداوته.
فأين الحقيقة في هذا كله ؟ ماهو الموقف الأحكم الذي يجدر بالعرب اتخاذه إزاء أوباما؟
كاتب مصري
