في عام 1980 اتفقت 18 دولة عربية مع فرنسا على إنشاء معهد ثقافي علمي حضاري تحت اسم: معهد العالم العربي. ووقعت الاتفاقية، وبدأ العمل في البناء عام 1981 تقريباً.

في 1987 وضعت اللمسات الأخيرة على المشروع ليحصل العرب على صرح لم تحظى به في فرنسا أية ثقافة عالمية أخرى، ليصبح فتنة للناظرين، ومحط جذب سياحي وثقافي لا مثيل له، تساهم في ميزانيته فرنسا بنسبة 60 بالمئة والجامعة العربية بنسبة 40 بالمئة.

احتل المعهد مساحة قدرها 000 ,182 قدم مربع، في واحدة من أهم المواقع في فرنسا حيث يطل على نهر السين وعلى بعد أمتار من جامعة جيسيو في باريس وفي مواجهة كاتدرائية نوتردام الشهيرة.

كان الهدف الأساسي من هذا المشروع توطيد العلاقة الثقافية والفكرية بين العرب وأوروبا ولكن في الحقيقة كان بهدف إزالة الكثير من سوء الفهم الذي لعبت الصهيونية العالمية دوراً كبيراً في ترسيخه في نفسية شعوب العالم بأن العرب ليسوا أكثر من قتلة (Assassins) (على حد قول سفير إسرائيل في فرنسا في تلك السنوات) وإنهم لا يفهمون إلا لغة العنف ولا يقرؤون ولا يفكرون.

لقد كان معهد العالم العربي يمثل صفعة قوية للوبي الصهيوني في فرنسا آنذاك، خاصة وأنه بني في فترة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران. فقد كشفت الكنوز الإسلامية التي كانت تعرض في ردهات المعهد عن ثقافة فنية وأدبية إسلامية لا مثيل لها في التاريخ.

وأثبتت المحاضرات والندوات الثقافية المستمرة التي كانت تقام عن وجود مفكرين عرب ومسلمين لم يكونوا معروفين إلا لدى الطبقة المثقفة فقط.

بل أن تصميم المعهد في حد ذاته الذي أعده المهندس جان نوفيل كان بمثابة بدعة معمارية جمعت بين فن العمارة الإسلامية القديمة وفن الحداثة ما منح المهندس الذي قام بتصميمه شهرة عالمية غير متوقعة حصد على إثرها جائزة آغا خان في الهندسة المعمارية.

ويذكر أن من تولوا رئاسة المعهد لم يكونوا من عامة الناس، بل كانوا من الشخصيات المرموقة في عالم السياسة والثقافة. وأول رئيس له كان إدجار بيزاني، ومن بين من ترأسه بعد ذلك إيف جينا واليوم يترأس معهد العالم العربي دومينيك بوديس الذي كان من أبرز محافظي مدينة تولوز الفرنسية.

غير أن الاهتمام العربي كعادة العرب لا يستمر طويلاً، وتضيع مشاريعهم مع هبوب رياح اليوم التالي. وبدأ المعهد الفريد من نوعه يتهاوى تحت طائلة الديون (ما زالت هناك 34 مليون يورو لم تدفع حتى عام 2006) وعدم قيام الجانب العربي بدفع التزاماته المالية.

وفيما يبدو فإن الإدارة اضطرت إلى تسريح العديد من موظفيه والاعتماد على نفسها في تسيير شؤونه اليومية. وهناك من القصص التي تحكى عن تصرفات بعض موظفيه ومعظمهم من الجالية العربية ما يمكن أن يطلق عليها المضحك المبكي. وبدلاً من أن يصبح مرآة للعالم الإسلامي في بلاد الغال، أصبح معهد العالم العربي مجرد مؤسسة على شفى الإفلاس.

قبل بداية الصيف من هذا العام طلب مني أحد الأصدقاء الذين التقيتهم صدفة أن أنصحه ببعض أهم الأماكن السياحية في باريس ليقوم بزيارتها مع عائلته.

وقد ذكرت كل شيء تقريباً من شارع الشانزليزيه إلى برج إيفل إلى قصر فرساي ومتحف اللوفر، ولكن غاب عن بالي معهد العالم العربي.

وبالطبع أعذر نفسي حينما يكون الأمر متعلقاً بمؤسسة ثقافية لا نسمع عنها شيئاً يذكر. وهذا لا يعني أن المعهد لا يقدم شيئاً البتة، ولكن تقديم الشيء شيء، والإعلام عنه شيء آخر.

إن فرنسا لن تطلب بالطبع من الدول العربية تسديد التزاماتها المالية تجاه هذا الصرح الثقافي المهم والذي كان بناءً على طلب مجموعة كبيرة من الدول العربية، وكأنها تستجدي حسنة من كنوز النفط.

وربما طالبت فرنسا لعدة مرات ولكن لم تجد آذاناً صاغية، وكأن الأمر لا يعنينا. وبعدها نظل نبكي ونشتكي بأن العالم لا ينظر إلينا إلا بعين التعالي والاستكبار ويتعامل مع قضايانا بإهمال.

ترى هل نملك إحصائية لعدد المؤسسات الثقافية الصهيونية في باريس؟ لا أحد يملك هذه الأرقام ولكنها بالتأكيد تعد بالآلاف وهي موجودة على أرض الواقع وفي السر والعلن وتعمل وتؤثر وتنشر وتضغط ونحن نيام.

كل ما يحتاجه هذا المعهد الوحيد واليتيم في العالم أن يمنح كل سنة من خزائن كل الدول العربية ما يعادل قيمته هيليوكوبتر أو دبابة حربية. لا أكثر. وبالتأكيد سيكون مفعول المعهد أكثر بكثير من تلك الآلات الخردة التي لا تنفع ولا تضر. فكيف تلتزم فرنسا مالياً تجاه هذا الصرح العربي الإسلامي وتهمله الدول المعنية بالأمر؟

هناك خطة إنقاذ اعتمدتها السلطات الفرنسية لتعديل وضع المعهد وإنعاشه قبل أن ينهار. وسوف يعتمد بشكل أساسي على المساعدات الفرنسية إضافة إلى إيرادات المعهد الخاصة والمساهمات الخارجية.

إنني اقترح أن تقوم المؤسسات الثقافية على الأقل في دولة الإمارات وباقي الدول العربية الأخرى إن شاءت، أن تدعو مواطنيها مع كل تذكرة سفر إلى باريس إلى زيارة هذا المعهد الذي يشكل سفارة عربية مفتوحة في عاصمة أوروبية على مستوى باريس، وبالتالي فإن إيرادات المعهد من تذاكر الدخول وبيع الكتب وبعض الأعمال الفنية واستخدام المطعم الموجود بداخله قد تساعده على تغطية بعض ديونه المتراكمة.

نحن نتابع بالتفصيل ما يحدث في مجال قرصنة السفن قرب سواحل الصومال وما يفكر فيه رئيس كوريا الجنوبية ولا نريد أن نعرف ما يحدث في ردهات معهد العالم العربي. إننا مشغولون عن أنفسنا بقضايا الآخرين، إلى درجة أننا نتمنى أن نكون (غرباء على أنفسنا) حتى نهتم بأنفسنا وبحضارتنا وبمصيرنا الذي لم تسدد حصته بعد.

جامعة الإمارات

ralaboodi@gmail.com