يزداد سوءاً على مختلف الأصعدة والمستويات، الوضع الفلسطيني بشكل عام وقطاع غزة على وجه الخصوص، فيما تسود مشاعر التشاؤم والإحباط بين الفئات الشعبية إثر تأجيل الحوار الفلسطيني الذي كان مقرراً أن يبدأ في القاهرة يوم الاثنين العاشر من الشهر الجاري، وبسبب اعتذار حركة حماس عن حضوره.

الطرفان المتصارعان، «فتح» و«حماس»، يتبادلان التهم بشأن المسؤولية عن تعطيل الحوار، وتصاعدت بينهما لغة ومفردات التحريض، حتى بدا وكأن قدر الفلسطينيين أن يظلوا منقسمين ومتصارعين إلى أمد تتحكم فيه من ناحية السياسة الإسرائيلية التي تدفع الأمور نحو تصعيد الانقسام إلى الانفصال، وتتحكم فيه إرادات فصائلية تقدم برامجها ورؤاها الخاصة على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وتعكس من خلالها ارتباطات إقليمية أو دولية لها حساباتها هي الأخرى.

أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى أكد في تصريحات كثيرة على ضرورة أن يغتنم الفلسطينيون المبادرة المصرية كفرصة أخيرة، وتحدث عن أن اجتماع وزراء الخارجية العرب سيتم فيه اتخاذ موقف معلن بتسمية الطرف الفلسطيني الذي يتحمل مسؤولية فشل الحوار، انطلاقاً من مطالبات الرئيس محمود عباس للجامعة العربية بأهمية اتخاذ موقف عبر الدعوة لاجتماع سينعقد في القاهرة يوم السادس والعشرين من نوفمبر الجاري.

أجواء الجامعة العربية وتصريحات عمرو موسى بعد لقائه المسؤولين السوريين في دمشق أوائل الأسبوع الماضي، تشير إلى أن ثمة خلافات عربية بشأن الموضوع الفلسطيني لن تمكن الجامعة العربية من اتخاذ مواقف واضحة كما يريد الرئيس عباس وتتوقع حركة فتح، مما يعني أن الخلاف والصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني سيظل إلى حين سيد المواقف.

وبصفة عامة يبدو أن كافة ملفات المنطقة ستظل معلقة بدون حراكات دراماتيكية، في انتظار دخول الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وتحديد ملامح سياساته والمتغيرات التي يمكن أن تدخل عليها.

في هذا الإطار من غير المتوقع أن تحصل أية تغيرات، لا في الملف الفلسطيني بشقيه الانقسام والمفاوضات، ولا في ملف المفاوضات الإسرائيلية السورية، وكذلك الأمر بالنسبة للملفات اللبنانية، والملف النووي الإيراني وملفات أفغانستان والعراق وسواها من الملفات المفتوحة على أزمات تتصل بالسياسة الأميركية خلال هذه المرحلة الانتقالية.

يتابع وزير الخارجية البريطانية ديفيد ميليباند مهمة الحفاظ على خط المفاوضات الفلسطينية والسورية الإسرائيلية مفتوحاً، دون أن يقع فراغ أو انقطاع أو ارتداد. وربما تقوم شخصيات رسمية أوروبية أخرى بمتابعة الملف ذاته إلى أن تتحرك الإدارة الأميركية الجديدة، فيما إسرائيل التي تنتظرها انتخابات مبكرة في العشرين من فبراير المقبل، تتحرك على خط تعميق الانقسام الفلسطيني ودفعه نحو الانفصال.

خلال هذه الفترة تواصل إسرائيل عدوانها على الشعب الفلسطيني في مختلف المناطق، بغرض خلق وقائع على الأرض لصعوبة إمكانية التوصل إلى حلول سياسية تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة في إطار سلام مستقر يشمل تسوية لبقية ملفات التسوية الدائمة.

ففي الضفة الغربية تتسارع عمليات تهويد القدس وعزلها عن جنوب الضفة وشمالها، وتستمر عمليات مصادرة الأراضي لصالح توسيع وتسمين المستوطنات، هذا بالإضافة إلى الاعتداءات الروتينية على الناس وعلى الأراضي. ويلفت النظر تصاعد اعتداءات المستوطنين الذين يشكلون مجموعة من الميليشيا التي لا تتوقف عن تنغيص حياة الفلسطينيين.

أما على جبهة قطاع غزة فقد أطاحت إسرائيل بالتهدئة التي توصلت إليها مع حركة حماس بوساطة مصرية قبل خمسة أشهر، إذ يبدو أن تلك التهدئة استنفدت أغراضها مثل نهايتها المتفق عليها وهي ستة أشهر، وعلى خلفية المزايدة السياسية بين أحزاب الائتلاف الإسرائيلي وبينها وبين المعارضة اليمينية التي تحرز تفوقاً في استطلاعات الرأي.

لقد كان واضحاً التوجه الإسرائيلي نحو إنهاء التهدئة، حين قامت القوات الإسرائيلية في الرابع من هذا الشهر بالتوغل شرق قطاع غزة واغتيال سبعة مقاومين، كمقدمة لعدوان لم يتوقف منذ ذلك الحين ويمكن أن يتدحرج نحو عمليات عدوانية واسعة ضد القطاع.

لقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أن المواجهة مع حركة حماس في قطاع غزة حتمية وأن المسألة تتصل بالوقت، وفي تصريح آخر قال إنه أصدر أوامره لضباط الجيش لإعداد الخطط اللازمة للقضاء على سيطرة حماس في غزة.

تصريحات أولمرت قد تفتقد المصداقية، ذلك أن إسرائيل تواصل العمل من أجل تعزيز الانقسام الفلسطيني وتصعيده إلى انفصال تام، لكن ما يتبقى منها يشير إلى أن الدولة العبرية قد أعلنت إنهاء التهدئة بالممارسة العملية وتبني تصريح لوزيرة الخارجية تسيبي ليفني، مما يعني أنها ستواصل مستوى معينا من العدوان على القطاع.

على خط مواز تواصل إسرائيل إغلاق قطاع غزة وتشدد حصارها على سكانه، الذين أخذوا يختنقون تحت وطأة أزمة التيار الكهربائي الذي يحتاج إلى وقود لا يصل من إسرائيل وأزمة غذائية، حيث لا يسمح للمساعدات التي تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين بالمرور فيما توقفت تماماً شركة المطاحن في غزة عن العمل، فضلاً عن توقف الكثير من المخابز بسبب فقدان وقود الغاز وتناقص كميات الدقيق في السوق الغربي.

إسرائيل تريد وقف كل تعاملها مع سكان القطاع ودفعهم نحو الاعتماد المتدرج إلى الكلي على استيراد حاجياتهم كلها عبر الحدود مع مصر، الآن عبر شبكة الأنفاق ولاحقاً.. الله أعلم!

هذا هو واقع الحال الفلسطيني، ويبدو أن أكثر شيء يمكن أن يتحقق عبر مصر والمجموعة العربية هو الحصول على مساومة ما بين حركتي حماس وفتح، بشأن الموقف من ولاية الرئيس محمود عباس التي تصر حماس على أنها تنتهي في التاسع من يناير المقبل، فإن حصل اتفاق على غرار اتفاق الدوحة اللبناني، فإن ملف المصالحة وإنهاء الانقسام سيتأجل إلى ما بعد دخول الرئيس الأميركي أوباما إلى البيت الأبيض.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com