باراك أوباما الرئيس الأميركي المنتخب على وشك أن يبدأ بترجمة أجندته الانتخابية التغييرية التي حملته إلى البيت الأبيض إلى أفعال تخضع بعد المئة يوم الأولى إلى التقييم كما جرت العادة لمن يدخل البيت الأبيض للمرة الأولى. فما هو الجديد الذي سيأتي به على المستويين الداخلي والخارجي؟

الحقيقة ان أمام الرئيس الجديد أكواماً من القضايا الداخلية والخارجية من الصعب حصرها، فعلى المستوى الداخلي لا شك أن مهمته الأولى ستكون مواجهة الأزمة المالية الكبيرة التي تتعمق تأثيراتها مع الأيام، وموقفه منها ليس فيه ما هو جديد.

فقد وافق على خطة الرئيس الحالي بوش وهو في المستقبل لن يجد بديلاً عن التنسيق مع الدول الأخرى ذات الثقل الكبير في الاقتصاد العالمي للتعامل مع هذه الأزمة. كما أن التغيير في السياسة الخارجية الأميركية سيكون مرهوناً إلى حد كبير بما تمر به واشنطن في الداخل ومرهوناً كذلك بعلاقاتها مع حلفائها حول العالم.

ورغم كثرة القضايا الساخنة وتنوعها واختلاف درجة أهميتها في الساحة الدولية إلا ان الرئيس أوباما سيجد في الملف الإيراني أبرز ما ينبغي مقاربته. وهو ملف فيه الكثير من القضايا الشائكة التي تتعلق بالعلاقات الأميركية الإيرانية إلا أن أكثرها أهمية هو البرنامج النووي الإيراني وحساسية التوازنات التي نشأت حوله بين الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي زائد ألمانيا.

أوباما أعلن خلال حملته الانتخابية عزمه بدء حوار مع طهران من غير شروط مسبقة وضعتها إدارة الرئيس بوش وأعرب عن استعداده للقائها في أي مكان وفي أي موعد، لكنه لم ينس في أول مؤتمر صحافي عقده بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية أن يشير إلى عدم قبول الولايات المتحدة بحصول إيران على السلاح النووي.

والحقيقة أن الحوار المباشر مع طهران لم يكن طرحاً تفرد به أوباما، فقد كان من ضمن التوصيات التي خرجت بها مجموعة دراسة العراق عام 2006 التي تناوب على رئاستها كل من الجمهوري جيمس بيكر والديمقراطي لي هاملتون.

كما أن إدارة الرئيس بوش قد خطت نحو التخلي عن شرطها المسبق بتجميد إيران أنشطة تخصيب اليورانيوم قبل الدخول معها في حوار حين بعثت الشخص الثالث في الخارجية الأميركية وليام بيرنز لحضور المحادثات التي عقدت في جنيف بحضور المفاوض الإيراني في يوليو المنصرم.

قد تعمد إدارة أوباما إلى انضاج مدخل أولي لمقاربة الملف الإيراني قبل الدخول في حوار مع طهران عن طريق اتخاذ بضعة إجراءات دبلوماسية تتضمن صياغة رد مناسب على تهنئة الرئيس الإيراني وإيداع الملف النووي الإيراني لدى دبلوماسي رفيع المستوى في الخارجية الأميركية واستكمال ما بدأت به إدارة الرئيس بوش وهو فتح قسم لرعاية مصالح الولايات المتحدة في طهران والتي ستكون بمثابة أول بعثة دبلوماسية أميركية منذ قطع العلاقات بين البلدين إثر احتجاز الدبلوماسيين الأميركيين عام 1979.

ولكن هل سيتمكن أوباما في حواره المباشر من تسليط ضغوط تختلف عن الضغوط التي تعرضت لها طهران على مدى السنوات المنصرمة؟ وهل ستقدم الولايات المتحدة لطهران من المحفزات أكثر مما قُدم لها حتى الآن؟ وعندما تستنفد إدارة أوباما جميع خياراتها دون أن تفلح في إقناع طهران بالتخلي عن برنامجها النووي فهل ستلتقط خيارات الرئيس بوش؟ أم ستجد نفسها إزاء صفقة كبيرة لا مفر من إبرامها مع طهران لا تقتصر على البرنامج النووي وإنما تشمل جميع القضايا العالقة الأخرى بين الطرفين وهي كثيرة على مدى ثلاث عقود من السنين.

من الواضح أن أوباما قد أعاد النظر في بعض ما سبق وتبناه في حملته الانتخابية، ففيما يتعلق بالانسحاب من العراق تبدل موقفه من المناداة بـ «انسحاب خلال ستة عشر شهراً» إلى «انسحاب مسؤول» وها هو يُقر الاتفاقية الأمنية مع العراق التي تحدد للانسحاب النهائي مدة ثلاث سنوات.

أما فيما يتعلق بالموقف من إيران فقد طرأ بعض التغيير في موقفه كذلك حيث استبدل «محادثات غير مشروطة» بالحاجة إلى «تحضيرات دقيقة»، كما توقف عن القول انه سيلتقي بهم (يقصد المفاوضين الإيرانيين) في أي مكان وفي أي وقت إلى القول بأنه سوف يختار المكان والموعد المناسب لذلك.

هذا التبدل في بعض ما كان يدعو إليه أوباما يشير إلى أنه غير متعجل للدخول في حوار مع طهران وذلك لعدة أسباب:

1. إعادة النظر في سياسات الإدارة السابقة ورسم استراتيجية جديدة شاملة للتعامل مع طهران تتجاوز التوقف عند البرنامج النووي لتشمل جملة من القضايا الشائكة الأخرى التي حملت الولايات المتحدة على وضع إيران ضمن الدول المصدرة للإرهاب والتي تتعلق بالاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

2. تجنب إلحاق ضرر بموقف التحالف السداسي الذي رسم سياسة مدروسة على مدى السنوات الماضية للتعامل مع إيران حيث اتخذ مجلس الأمن الدولي في ضوئها ثلاث جولات من العقوبات التي فرضت على طهران.

فقد تعرض أوباما إلى ضغوط واضحة من هؤلاء حيث ورد على لسان وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في معهد بوكنغز بواشنطن في الثالث عشر من نوفمبر الجاري بأن على الرئيس أوباما أن يستشير حلفاءه الأوروبيين حول الحوار مع إيران فيما يتعلق بالبرنامج النووي، وقال ما نصه «إذا كان لنا أن نضمن بأن الحوار الأميركي - الإيراني في الاتجاه الذي يقربنا من أهدافنا المشتركة وليس بعيداً عنها، فينبغي أن نستمر بالعمل معاً».

3. إرضاء اللوبي الصهيوني الذي تودد إليه كثيراً في حملته الانتخابية، فالموقف الإسرائيلي مناهض لأي حوار مع طهران ويعتبره إشارة ضعف تدفع طهران إلى التشدد في موقفها.

4. قناعة الإدارة الجديدة بضرورة بدء الحوار مع طهران بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة في يونيو 2009. فقد اختار أوباما صيغة فيها قدر من الغموض حين تحدث عن المفاوضات مع «قادة إيرانيين مناسبين»، فهو في هذا الصدد لا يرى للرئيس الإيراني أحمدي نجاد حظاً في البقاء لأربع سنوات أخرى لذلك لا يرغب في منحه رصيداً انتخابياً يساعده على البقاء.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae