انعقد في دمشق في الأسبوع الماضي مؤتمر وزراء الثقافة العرب وتلاه بعد يوم واحد انعقاد المؤتمر المشترك لوزراء الإعلام والاتصال العرب، ناقش المؤتمر الأول واقع الثقافة العربية وشؤونها وشجونها وناقش المؤتمر الثاني قضايا الإعلام العربي والتنسيق بين وزارات الثقافة ووزارات الاتصالات والمعلوماتية، وشارك عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية في المؤتمرين، واهتم الإعلام السوري بنشاطات المؤتمرين عكس ما فعله الإعلام العربي.

يلاحظ أن معظم قرارات وتوصيات المؤتمرين هي تأكيد قرارات وتوصيات سابقة صيغت بأسلوب فخم وبعبارات عامة وابتعدت عن القرارات الملموسة (وقد ذكرتني بقرارات الوزراء قبل أربعين عاماً عندما كنت أشارك فيها) وأوكلت الخطط وبرامج المستقبل إلى اللجان التي شكلتها، وتجاهلت القول المهم الذي أكدته التجارب العربية والإنسانية وهو (إذا أردت أن تميت موضوعاً حوله إلى اللجان) وفي الحالات كلها لم تخرج القرارات والتوصيات عن الأمور الإجرائية وتجاهلت الاستراتيجيات الثقافية والإعلامية التي تحتاجها المجتمعات العربية.

لا أريد نكء الجراح في مجال حال الثقافة العربية والإعلام العربي فقد كتب المختصون والمثقفون والإعلاميون العرب ما يكفي من الدراسات التي تؤكد تخلفهما وتشير إلى الدمار الذي يصيب مجتمعاتنا بسبب ذلك، وعرضوا الأسباب الحقيقية لهذا الحال الذي لا يسر أحداً ويشكل خطراً على وعي الفرد والحفاظ على هوية الأمة وتأهيلها للمساهمة بإحياء ثقافتها، في عالم متغير معولم يتعرض في كل لحظة للغزو الثقافي أو أقله للاختراق الثقافي والهيمنة والاستلاب والتلاشي أمام أنماط الثقافة الاستهلاكية والسلوك الاستهلاكي.

ولا أريد التذكير بالإحصائيات المتعلقة بوسائل الثقافة والإعلام العربية التي تجعلنا نطأطئ الرأس خجلاً منها، فقد غدونا في ذيل القائمة العالمية في هذه الإحصائيات وقد تراجع موقعنا في بعض الجوانب إلى ما بعد بلدان افريقيا جنوب الصحراء، فكتابنا لا يكتبون، ومبدعونا يقمعون.

ورغم تجاوز عدد محطاتنا الفضائية خمسمئة محطة فليس لدى معظمها ما يثير اهتمامنا اللهم باستثناء الطرب والغناء والتسلية السطحية واستعراض الأزياء والمجاملات الكاذبة بل والتكاذب، وغدونا لا ننشر سوى اثني عشر كتاباً لكل مليون نسمة، ولا يمضي العربي مع الكتاب في العام وسطياً سوى ربع ساعة، ولا يقرأ الألف منا سوى عشر نسخ من الصحف، وهذه ـ مهما كان رأينا بالإحصائيات ـ هي مؤشر جدي للحال الثقافي والإعلامي العربي.

لم يتعرض أي من وزراء الثقافة ووزراء الإعلام العرب إلى الأسباب الحقيقية لتدني المستويات الثقافية لأفراد مجتمعاتنا أو سطحية رسائلنا الإعلامية بمختلف تنوعاتها بما فيها الرسائل السياسية، فلم يخطر ببال وزراء الثقافة العرب مثلاً التعرض للرقابة على الكتاب.

كما لم يخطر ببال وزراء الإعلام العرب مثلاً إعادة النظر باللائحة التي وضعوها قبل أشهر والقاضية بحصار وسائل الإعلام العربية والتضييق عليها بحجة التنسيق والأمن القومي والأخلاق العامة، كما لم يتذكروا ضرورة فتح الحدود أمام الصحافة العربية لتدخل بلاد العرب جميعها بدون منع أو قص أو حذف.

ولم يحاولوا الاتفاق مع وزراء الاتصالات والمعلوماتية العرب على إنهاء (ويا للعار) حجب بعض المواقع على شبكة (الإنترنت) التي (تمشطر) اللغويون العرب وسموها (الشابكة) ومن المستغرب أن بعض هذه المواقع هي موسوعات عالمية يحتاجها الدارس والطالب والعالم والمثقف وحتى التاجر والحرفي ومع ذلك نزعم أننا نسعى للوصول إلى مجتمع المعلومات.

أظن أن السادة الوزراء لم يجرؤوا على الاقتراب من المعيقات الثقافية والإعلامية في بلاد العرب وعلى رأسها السماح بحق الفرد العربي صحافياً كان أم كاتباً أم مثقفاً أم مواطناً عادياً في الحصول على المعلومة أينما كانت وإلغاء (المحرمات) الزائفة التي تتلظى تحت خيمة الأمن القومي والأخلاق العامة والخصوصية والدين الحنيف وغيرها.

كما لا يمتلكون الشجاعة للتأكيد على الحريات العامة سواء منها المتعلق بوسائل الثقافة أم بوسائل الإعلام، وعلى حق التعبير وحرية الحوار والنقد والمراقبة مما يساهم في الدفاع عن المجتمع ومواجهة القمع والشمولية والفساد والتخلف ويفتح الباب على مصراعيه أمام الإبداع والمساواة والتكافؤ وإدانة الانحراف والخطأ، ويعزز الديمقراطية وحقوق الإنسان وينبه المجتمع إلى خطورة مرجعياته المتخلفة من طائفية وإقليمية وغيرها التي تشظيه وتمزق نسيجه الاجتماعي والوطني.

أليس مأساوياً أن الكتاب العربي يحتاج لاثنتين وعشرين موافقة رقابة حتى يدخل البلاد العربية كلها ومثله الفيلم السينمائي أو التلفزيوني أو حتى الأغنية، وأن هذه الرقابة تطبق حتى في معارض الكتاب وفي المهرجانات الثقافية والفنية الأخرى.

أليس غريباً أن معظم الدول العربية تفرض رسوماً مالية وأحياناً جمركية على الكتاب العربي، وتتقاضى أجور نقله كأجور نقل البضائع والسلع الأخرى؟

أليس معيباً أن تفقد وسائل الإعلام والصحافة العربية مصداقيتها لدى المتلقين العرب فيبحثون عن الحقيقة لدى الوسائل الأجنبية؟

أليس كارثياً أن يلام أو يعاقب أو حتى يعتقل كاتب أو صحافي بسبب رأي أبداه وكأن المجتمع يجب أن يكون على رأي واحد منمطاً وأفراده كالسلعة المصنعة؟

لم يكترث لا وزراء الثقافة ولا وزراء الإعلام العرب بأسباب المحنة الثقافية والإعلامية، ولجأوا بدلاً من ذلك إلى التوصيات والقرارات الإنشائية، مستفيدين من غنى اللغة العربية بالألفاظ والأسلوب.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org