لطالما عرفت الدورة المالية حتمية الكساد بعد اكتمال الطفرة في فترة مالية تتراوح بين (12-25) سنة، ومدة الكساد من 12 شهرا إلى سنة ونصف كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن المخيف فيه آثاره التي تستمر سنوات من البؤس يدفع ضريبتها المستثمر والفرد العادي المغرر بهم، ويحدد انتهاءها إعلان البنوك عن تحقيق أرباح بعد فترة من الخسائر والاستحواذ.

ومن أهم مظاهره: انخفاض حجم الأنشطة الاستثمارية، وانخفاض أرباح الشركات، وارتفاع البطالة، وتدني القوه الشرائية للأفراد (لضعف العملة أو تدني مداخيل الأفراد).

وانخفاض في الدخل القومي أكثر من 10%، واستجابة المصارف المركزية لخفض سعر الفائدة، وانخفاض حاد في قيمة المدخرات من أسهم وسندات، مركزية الدولة في النشاط الاقتصادي وانحسار الدور الاقتصادي لتنافس المدن، وعودة قوة دور المصرف المركزي.

هذا وتختلف مظاهر الكساد وآثاره وفق المدخلات المالية للدول أو تعاملها مع الأزمة المالية وهو الأهم، إلا أن أهم مظاهر الكساد الذي يعيشه العالم اليوم تتمثل في الانخفاض الحاد في المدخرات من أسهم وسندات، كون جوهره المعادلة الاستثمارية للمصارف والتي تقوم على فرضية أن المصرف يملك أسهما وعقارات، وإحداثه ارتفاعا لقيمتها يعني ارتفاع رأسمال المصرف وهذا يعطيه فرصا أكبر للاقتراض لتوسيع نطاق عملياتها المصرفية.

وفي هذه الأزمة كان واقع قيم عقود الاعتماد دوليا لا يتجاوز 50 تريليون دولار، إلا أن المصارف استطاعت إحداث قيم سوقية فاقت 700 تريليون، أي فاقت موجوداتها مما شكل عجزها عن السداد، وعليه تضافرت عدة عوامل على إحداث انهيار حاد لقيم الأسهم والسندات، وهي:

1- قيام المصارف بتسييل موجوداتها من الأسهم التي تحتمل عوامل مخاطرة عالية، لتوفير السيولة والرغبة في إعداد الحساب الختامي بأقل مديونية.

2- الشركات لا تجد السيولة اللازمة للوفاء بالتزاماتها الاستثمارية فتلجأ لتسييل أسهمها.

3- المستثمر بسبب إصابته بعدم الثقة يتبع سياسة بيع ما يملك وليس بيع ما يريد فيقوم بالتسييل.

4- المحافظ الاستثمارية تقوم بالتسييل للوفاء بالتزاماتها تجاه المساهمين ولسداد ديونها الاستثمارية.

5- نتيجة التسريح العمالي يقوم الأفراد ببيع مدخراتهم من الأسهم للتغلب على البطالة.

ولكن السؤال الأهم: ما هي مظاهر الكساد في عالم اليوم؟ تتمثل أهم هذه المظاهر في التالي:

1- قيام عدد من الدول بخفض سعر الفائدة، ليس لمعالجة شح السيولة بل للتقليل من الادخار، لأن المبدأ أنه في حال الازدهار تكون وجهة الأموال خارج المصرف وفي حال الكساد تكون داخل المصرف.

2- خفض الضرائب لإنعاش حاجة الأفراد الاستهلاكية، أي من خلال إضافة مبالغ إضافية في محافظهم، ولكن هذا قد يحد من قدرة الدولة على الاستيراد أو معالجة شح السيولة في المصارف المركزية.

3- الفجوة بين الإيداع والإقراض تشكل عبئا على المصارف لإنجاز عمليات مثل السحب أو دفع الشيكات أو التحويلات المصرفية البينية.

4- إدراك حقيقة أهم، وهي أن الاستثمار على شكل ذهب وعملات أجنبية تكون فائدته ومدى استقراره مقارنة بالاستثمار في الخارج أفضل من الاستثمار على شكل أسهم وسندات، وخصوصا المصرفية من ناحية المخاطرة.

5- قيام بعض الدول بما يسمى بـ «السرقة المقننة» من خلال الاستحواذ على قطاعات تم تخصيصها سابقا، مثل استثمارات النظام التقاعدي على حساب حاملي الأسهم.

6- استغلال الدعم المالي الحكومي المتمثل في عمليات الإنقاذ المصرفية في عمليات الفساد، خصوصا مع غياب الشفافية.

7- إرهاصات عودة الأفكار الاجتماعية متمثلة في تشكيل أحزاب عمالية للحماية ضد المشاريع الرأسمالية القائمة على جلب اليد الرخيصة ثم إلقاء اللوم عليها في الكساد، وفق ما يعرف باستنزاف المهاجرين للخدمات الاجتماعية، مع أن السبب هو عدم استثمار تلك الحكومات في قطاعات مثل الصحة والتعليم وغيرها.

8- التحديات الأمنية للكساد من خلال ظهور عدد من الجرائم التجارية (مثل السرقة من المحلات التجارية)، والتي وصلت خسائرها 10 مليارات دولار في دول كالمملكة المتحدة، وما تحمله ضغوط الهجرة العمالية بحثا عن الوظائف في منطقة الخليج.

9- مراجعة مسؤولية الشركات المانحة لبطاقات الائتمان ومدى تحملها لمسؤولية الإقراض غير المبرر والضمانات الائتمانية عليها.

وأخيرا لا بد من إدراك كيف ينظر الغرب اقتصاديا لدول مجلس التعاون، حيث يعتبرون أن دول الخليج أماكن لوجود سيولة ينبغي الاستفادة منها، ولكن كيف في قطاعات مهددة وعوائدها غير محسومة وتشكل جدلية بين الحكومات وحملة الأسهم المؤسسين، مما يحد من القوة الحقيقية للمستثمر الخليجي حتى مع ارتفاع حصصه فيها مثل المصارف.

بالإضافة إلى جدلية تعاطيه مع قوانين الحماية للمستثمر الأجنبي، وهذا يأتي في وقت انتهاء الفترة الرئاسية للحكومات الحالية ومجيء حكومات جديدة تتبنى أفكار الحماية وخصوصا العمالية.

والتضييق على الاستثمار الأجنبي مع ما تعانيه ميزانياتها من خلل غير قابل لأي تنازل لحساب المستثمر الأجنبي، فالضمانات متدنية ولكن الفرص أكثر متى أحسن المستثمر الخليجي الاختيار، بدلا من تحول الدول كصناديق للتسليف الضعيف.

ولكن الأهم ما هي الأجندة الاقتصادية لدول الخليج لقمة 2009؟ وما هي آليات اتفاقية الجات 2010 والعملة الخليجية الموحدة وكيف نحد من آثارها الاجتماعية؟

ويأتي التحدي الأكبر أمام دول المنطقة في العملة واستراتيجياتها، حيث لا ينفع استنساخ مشاريع في بيئات اقتصادية مغايرة تتمثل في ربط غير ثابت مع الدولار، كما أن دول الخليج قادرة على تحقيق نفس النمو بالاعتماد على قدرة النفط على البقاء فوق سعر 55 دولارا للبرميل.

وفي النهاية فإن عافية الاستثمار تقوم على صحة المستهلك، وهذا تحققه الدول بالتركيز على مفاهيم حماية الوظائف والتقليل من البطالة، خصوصا في حال الكساد، مع اختيار نماذج للخصخصة تناسب الواقع المحلي. فقد أعطينا الخصخصة كل شيء، ولكن ماذا أعطتنا الخصخصة غير مزاوجة بين رأس المال والنفوذ الاجتماعي؟

باحث في الاقتصاد الدولي

2dubai@hotmail.com