بعد الحرب في القوقاز في أغسطس الماضي ضغطت واشنطن بشدة على الأوروبيين لاتخاذ موقف متشدد ضد روسيا بسبب هجومها القوي على جورجيا، لكن الأوروبيين رفضوا التشدد ورفضوا تجميد العلاقات مع موسكو، كما رفضوا حتى إدانتها بشكل واضح، ولم يتخذوا ضدها سوى قرار واحد وهو تجميد المباحثات معها حول اتفاقية التعاون والشراكة الإستراتيجية والأمنية إلى أجل غير مسمى.

ولكن هذا الأجل لم يطول كثيرا، فلم يمضي أكثر من ثلاثة شهور حتى قرر الاتحاد الأوروبي دعوة روسيا لقمة طارئة في مدينة نيس الفرنسية في الرابع عشر من نوفمبر الجاري.

وقد اعترضت دولتان فقط على القرار وهما بولندا وليتوانيا، ولم يعير الاتحاد اهتماما لاعتراضهما، وانعقدت القمة التي حضرها الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، وخلصت إلى قرار العودة للمباحثات بين الجانبين لإعداد الاتفاقية الجديدة للتعاون والشراكة بين روسيا والاتحاد الأوروبي.

وقد أصاب القرار الأميركيين بالإحباط، حيث تشعر واشنطن بالقلق الشديد من التقارب الروسي الأوروبي، وخاصة في المسائل الأمنية، حيث يرى الأميركيون أن روسيا تسعى لإزاحة غطاء الأمن الأميركي عن أوروبا لتفرض نفسها كدولة أوروبية ضمن إطار جديد يقتصر فقط عليها مع الأوروبيين دون أي تدخل من خارج القارة، وخاصة من واشنطن .

قمة نيس لم تتخذ قرارات هامة ومحورية، فقط أثبتت اتفاق الطرفين على عقد اتفاقية التعاون والشراكة بينهما، لكن التصريحات الصادرة عن الأطراف في القمة أعطت مدلولات ومؤشرات كثيرة إلى أن هناك ثمة شيئا يتم الإعداد له في أوروبا لن يكون سارا بالنسبة لواشنطن، فقد أعلن الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا أن الاتحاد يود أن تكون علاقاته مع روسيا متينة ومثمرة. وأشار إلى أن «الاتحاد الأوروبي وروسيا، جاران قريبان، تربطهما مصالح واهتمامات مشتركة كثيرة ».

وتطرق سولانا إلى الحرب الأخيرة في القوقاز حيث قال «النزاع في جورجيا شكل اختبارا لعلاقاتنا. ومن الضروري لاجتياز هذا الاختبار، مراعاة الاتفاقيات، وبذل الجهود الضرورية لتطبيع الوضع. وكل هذا ممكن، وأنا متفائل».

وقال الرئيس الفرنسي ساركوزي عقب انعقاد القمة: «أنا قلت للسيد ميدفيديف أن روسيا نفذت قسما أكبر من الالتزامات التي أخذتها على عاتقها». وذكر أن المقصود بذلك هو أن الجانب الروسي أوقف النار وسحب قواته.

بالقطع حديث سولانا وتصريحات ساركوزي لا ترضي الأميركيين لأنهم ما زالوا يكيلون الاتهامات والانتقادات لروسيا على هذه الحرب، ومازالوا يصورون روسيا على أنها الطرف المعتدي على جيرانه الضعفاء .

الرئيس الروسي ميدفيديف لم يعر مسألة جورجيا أي اهتمام وركز كل اهتمامه على التعاون الروسي الأوروبي، حيث أعرب من جانبه عن الأمل في أن تبدأ المفاوضات بشأن المعاهدة الجديدة حول التعاون والشراكة في أقرب وقت، وبدا ميدفيديف وكأنه يتحدث بثقة ومن مركز قوة، ولم يخل حديثه من تحذيرات للأوربيين حيث قال إنه يتعين على كافة بلدان أوروبا، قبل توقيع اتفاقية الأمن الأوروبي العام، الامتناع عن الخطوات الأحادية التي تهدد الأمن الأوروبي. وإن روسيا لم تقدم أبدا على مثل هذه الخطوات.

وكافة القرارات التي قمنا بإعدادها، بما فيها التي أعلنتها في رسالتي السنوية إلى البرلمان الروسي مؤخرا، هي رد فعل على سلوك بعض دول أوروبا». ويقصد ميدفيديف هنا قراره بنشر صواريخ « إسكندر» في إقليم كاليننجراد الروسي بالقرب من الحدود الأوروبية، وأوضح الرئيس الروسي موقفه بأن بعض بلدان أوروبا من جانب واحد عقدت اتفاقات حول نشر أسلحة جديدة في أراضيها.

وأضاف قائلا : «إذا كنا جميعا نعيش في بيت واحد، فلنلتق ونتفق. وفي هذا بالذات، يكمن جوهر الاتفاقية الجديدة حول الأمن الأوروبي العام».

وتنتظر أوروبا من جانبها، تخفيف روسيا لهجتها، وتخليها عن نصب صواريخ «اسكندر» في منطقة كالينينغراد، علما بأن الرئيس الروسي ميدفيديف لفت الانتباه في تصريحه لصحيفة «فيغارو»، إلى أن موسكو قد تتراجع عن قرار نصب هذه الصواريخ في منطقة كالينينغراد إذا أعادت الإدارة الأميركية الجديدة النظر في قرار إقامة المنظومة المضادة للصواريخ في الأراضي البولندية والتشيكية.

كاتب ومحلل سياسي روسي

uon1935@kin.ru