شهدت الأزمة الصحراوية تصعيدا جديدا لم يكن متوقعا بالاتهامات التي وجهها العاهل المغربي محمد السادس للجزائر بعرقلة التسوية، حيث اتهم العاهل المغربي الملك محمد السادس الجزائر «بعرقلة» المساعي الرامية إلى تسوية ملف الصحراء الغربية.
وقال في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء إن «المغرب أبان عن إرادة صادقة للفصل بين النزاع الإقليمي حول الصحراء وبين التطور المنشود للعلاقات الثنائية مع الجزائر» وأضاف: «للأسف، إن موقف الجزائر الرسمي، يسعى لعرقلة الزخم الذي أطلقته المبادرة المغربية، مسخرة طاقاتها لتكريس الوضع الراهن، المشحون ببلقنة المنطقة المغاربية والساحلية».
وقال كذلك: «كما أن التمادي في رفض كل مساعي التطبيع المغربية، أو تلك المبذولة من بلدان شقيقة وصديقة وقوى فاعلة في المجتمع الدولي، يعد توجها معاكسا لمنطق التاريخ والجغرافيا الذي يتنافى مع إغلاق الحدود بين بلدين جارين شقيقين»
وهذه التصريحات تطلق حربا كلامية بين الجارتين المغاربيتين كانت قد توقفت منذ تولي كل من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والملك محمد السادس منصبيهما في بلديهما.
ولكنها ترجح تحليلات أطلقها عدد من المراقبين المهتمين بشؤون المنطقة المغاربية حول أن واحدا من أسباب تعثر حل المسالة الصحراوية هو أن البلدين يديران علاقاتهما أو قل صراعهما بمنطق الحرب الباردة، ومن بين آلياتها الحروب الكلامية التي تستهدف توجيه رسائل مبطنة داخلية أو إقليمية أو خارجية.
وهذا الأسلوب كان هناك توجه من الزعيمين الحاليين لطرحه جانبا ولكن يبدو أن هناك قوى داخلية تستفيد من استمراره وتعمل على كبح أية جهود للتقارب بين الجانبين ن وهو ما يبدو من مسار الأحدث التي تشهدها علاقات الدولتين منذ عام 1999 وحتى الآن، وهو العام الذي كان يمكن أن يشهد تطورات ايجابية لكنها للأسف لم تستمر طويلا.
والحاصل أن نزاع الصحراء واحد من آليات إدارة الصراعات الإقليمية بين الدولتين المغاربيتين وليس هو المحور الوحيد للصراع، وعلى ذلك فلا يتوقع أن ينتهي الصراع بمجرد حل هذا النزاع، ولكن المطلوب من الدولتين هو تفهم التغير الذي طرأ على النظام الدولي والعلاقات الدولية وعلى منظومة العلاقات الإقليمية التي ينتميان إليها وهو النظام الإقليمي العربي والنظام الإقليمي الأفريقي لأن ذلك يمكن أن يقنع صناع القرار بتغير أسلوب إدارة العلاقات الثنائية الأمر الذي يساهم في تسهيل تسوية المسألة الصحراوية.
وهناك بالطبع أسباب من المفروض أن تجعل الدولتين تسعيان لإنهاء الصراع الصحراوي، لأنه يحقق مصالح دولية وإقليمية بل وداخلية لكل منهما، ولكنهما للأسف يتغاضيان عنها ويستمران في نفس الأسلوب الذي تبنياه منذ الاستقلال وانضمام كل منهما في منظومة إقليمية مختلفة سواء في النظام العربي أم في النظام الإفريقي وهو الأمر الذي طغى على الثقافة السياسية لصانع القرار في كل منهما ولم يستطع أي منهما تغيير أسلوب التعاطي مع الدولة الأخرى الأمر الذي أدى إلى استمرار أسلوب الحرب الباردة وأدى أيضاً إلى استمرار المسألة الصحراوية من دون حل.
وفى هذا الأمر لابد من طرح سؤال مركزي وهو هل المسألة الصحراوية هي الأصل في أزمة العلاقة بين البلدين أم أنها فرع لأصل آخر هو السعي من كل من الدولتين لأن تكون دولة مركزية إقليمية ولأن تكون هي النموذج لباقي دول المنطقة، خاصة أن الاختلافات فيما بينها أساسية سواء حول نظام الحكم أو الأسلوب الاقتصادي الذي تتبعه كل منهما.
وكان هذا الخلاف مفهوما في ستينات وسبعينات القرن الماضي عندما كان أسلوب الحرب الباردة هو المتعمد في العلاقة بين الدول وكانت هناك معسكرات تنتمي إليها الدول التي تواجه بعضها البعض في حروب باردة إقليمية، ولكنه لم يعد مفهوما في ظل نظام دولي جديد ومختلف.
ونستطيع أن نعدد الضغوط التي تتعرض لها الدولتان وتفرض عليهما البحث عن تسوية للصحراء تؤدى إلى إنهاء الصراع الإقليمي فيما بينهما، وفي مقدمتها الضغوط التي يمارسها أعضاء اتحاد المغرب العربي من اجل إحياء الاتحاد الذي يؤدى بالتبعية إلى تسهيل استفادة دول الاتحاد من اتفاقيات الشراكة التي تعقدها بعض منها مع الاتحاد الأوروبي والتي تسهل أيضاً التوصل إلى صيغ مناسبة لها في المفاوضات التي تعقد تحت عنوان 5 + 5 بين دول جنوب وشمال المتوسط.
وهناك مخاطر الإرهاب الذي تتعرض له الدولتان في ظل تشكيل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من تنظيمات إسلامية كانت تعمل في منطقة المغرب العربي، والذي قام بتنفيذ عمليات في الدولتين وحسب رأي معظم المهتمين بهذا التنظيم فان مواجهته تتطلب تعاونا إقليماً على مستوى عال، لا يمكن أن يتحقق في ظل أسلوب الحرب الباردة الذي تدير به الدولتان علاقاتهما في الوقت الراهن.
وبالطبع هناك محاور أخرى تتطلب من الدولتين التوصل إلى علاقات طبيعية لكن ما ذكرناه هو أكثر محاور الضغط عليهما في الوقت الراهن ولكنه على الرغم من ذلك لم يحقق آية نتائج مرضية أو مرجوة تساهم في التوصل إلى علاقات طبيعية بين الدولتين. فما يقف وراء التصعيد الأخير بين الدولتين هو أسلوب قديم لإدارة العلاقات يجب التخلي عنه والبحث عن بديل له ولكن للأسف فان الأجواء الحالية لا تساعد على إيجاد هذا البديل.
كاتب مصري
