رفع المرشح للرئاسة الأميركية باراك أوباما شعاراً «نعم نحن نستطيع» ليكون شعاراً لحملته الانتخابية لكرسي الرئاسة الأميركية، فجاءت النتيجة مذهلة بكل معنى الكلمة حيث أوصلته إلى البيت الأبيض وبشكل غير مسبوق في التاريخ الأميركي المعاصر.

باراك أوباما ذلك الرجل الأسود الذي حمل على كتفيه آمال الملايين من السود في الولايات المتحدة وخارجها استطاع أن يُسطر تاريخاً جميلاً للولايات المتحدة بدخوله البيت البيض كأول رئيس أسود للولايات المتحدة.

قلة هم أولئك الذين يعيشون خارج الولايات المتحدة من توقع لأوباما الفوز؛ فرغم أن استطلاعات الرأي وضعته متقدماً على منافسه الجمهوري جون ماكين طوال فترة الحملة الانتخابية للرئاسة إلا أن المشككين في قدرة أوباما على الوصول إلى الحكم في الولايات المتحدة كانوا كثر خارج الولايات المتحدة.

فقد ساق مثل هؤلاء المشككون العديد من المبررات التي حملوها لتبرر موقفهم، فقالوا إنه رجل أسود وأن الشعب الأميركي ما زال غير مستعد لانتخاب رجل أسود لقيادته، وقالوا إن أسمه الأوسط هو حسين مما يجعله شخص منبوذ من قبل الشعب الأميركي لصلته بالإسلام.

وقالوا إن تلاعباً ما سيحدث لعملية الانتخابات لضمان عدم وصول أوباما إلى الحكم كما حدث في انتخابات عام 2000، وقالوا إنه شخص لا خبرة له في السياسة كمنافسة الجمهوري. إلا أن فوز أوباما في الانتخابات الرئاسية قلب كل تلك التوقعات وأثبت للعالم بأن الولايات المتحدة هي دولة الأحلام التي لم تعد كما كانت تميز بين الأبيض والأسود كما كان في السابق ولا بين الرجل والمرأة، أميركا تغيرت.

إن الولايات المتحدة تضرب اليوم المثل لكل دولة من دول العالم وبلا استثناء بأنها دولة المبادئ والقيم الدستورية لا دولة المشاعر والأفكار الشخصية. صحيح أن فوز أوباما بالرئاسة الأميركية لم يكن نتاج يوم وليلة وإنما كان نتيجة لصراع طويل كافح من خلاله السود لنيل حقوقهم في الولايات المتحدة كمواطنين أسوةً بالأميركيين البيض، لكن فوز أوباما أعطى الفرصة لكل أميركي أن يحلم بالوصول إلى البيت الأبيض.

فرغم العمق التاريخي للديمقراطية الأميركية التي تعود إلى أكثر من مئتي سنة إلا أن السود لم يحصلوا على حقوقهم السياسية في التصويت والترشيح إلا في الستينات من القرن المنصرم وبالتحديد في عام 1965 أثناء عهد الرئيس ليندون جونسون. ولقد كان أول أسود ينتخب للكونغرس هو إدوارد بروك الذي انتخب في عام 1967 وكانت أول امرأة سوداء تنتخب للكونغرس هي شيرلي شيسهولم في عام 1968، مع العلم أن هناك الأعضاء السود دخلوا الكونغرس الأميركي قبل تلك الفترة.

ولكن اختيارهم لم يكون من قبل السود الأميركان ولكن من قبل السلطات الحكومية لولاياتهم أو منتخبين من قبل البيض كما حدث مع أول ممثل أسود في الكونغرس الأميركي جوزيف رايني في عام 1870 الذي انتخب عن ولاية كارولينا الجنوبية. وأول عمدة أسود لمدينة أميركية رئيسية كان كارول ستوكس الذي انتخب عمدةً لكليفلند في عام 1967. وأول حاكم أسود لولاية أميركية كان بينجباك الذي عين - ولم ينتخب - لفترة وجيزة حاكماً للويزيانا في عام 1873.

وأول حاكم أسود منتخب كان دوغلاس وايلدر حاكم فيرجينيا في عام 1990. وأول وزير أسود في حكومة أميركية كان روبرت ويفر عام 1966 عندما شغل منصب وزارة التنمية الحضرية، وكانت أول وزيرة سوداء هي باتريك هاريس في عام 1977 والتي شغلت كذلك وزارة التنمية الحضرية. وكان كولن باول هو أول وزير خارجية أميركي من السود في عام 2001، وكانت كونداليزا رايس هي أول وزيرة خارجية سوداء في الولايات المتحدة عندما تولت نفس الوزارة في عام 2005.

ويعتبر باراك أوباما أول مرشح للرئاسة من السود في الولايات المتحدة وأول رئيس للولايات المتحدة كما أن زوجته ميشيل أوباما هي أول امرأة سوداء تحصل على لقب سيدة أميركا الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، كل هذه الحقائق التاريخية تقدم انطباعاً بأن الولايات المتحدة تغيرت عما كانت عليه، وأن الكثير من معطيات سياساتها الداخلية والخارجية ستتغير أيضاً مع الرئيس الجديد للولايات المتحدة الرئيس باراك أوباما.

أوباما حمل راية التغيير من أول يوم دخل فيه السباق على الرئاسة. فاستراتيجيته قائمة على إحداث تغيرات في المجتمع الأميركي من شأنها أن تحسن من حالة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأميركان. وفي الوقت نفسه فإنه يحمل لواء التغيير في السياسة الخارجية.

فالوعد الذي قطعه أوباما أمام الناخبين بأن الولايات المتحدة لن تكون كما كانت منفردة في تسيير شؤون العالم بل ستكون دولة متعاونة مع بقية الدول لتحقيق الأمن والاستقرار الدوليين. ولعل هذا ما أكسبه تأييد الرأي العام العالمي في مواجهة خطط منافسة الجمهوري الذي كان يريد تكريس الخط الذي سار عليه الرئيس بوش في الخارج.

أوباما اليوم ليس فقط رئيس أميركا بل إن الفرصة متاحة أمامه في أن يكون القائد العالمي الأول الذي ينال احترام الرأي العام العالمي. فأميركا التي تغيرت من الداخل والتي قال شعبها بكل فئاته من الشباب والكبار والرجال والنساء والبيض والسود بأن أميركا مستعدة للتغير الداخلي فإن عليها أن تتغير في الخارج وفرصتها السانحة هي في عهد الرئيس أوباما الذي يستطيع بالفعل أن يحدث التغير في التوجه الخارجي العالمي من دون أن يضر بالمصلحة الوطنية للولايات المتحدة ويستطيع بالتالي أن يحقق الأمن والاستقرار الدوليين.

اعتقد أن المنطقة العربية في أمس الحاجة لسياسة أميركية جديدة تساعد على إبعاد المنطقة عن ويلات المواجهة والحروب والانقسام الطائفي والدخول في استراتيجية جديدة قوامها التعاون من أجل تحقيق الأمن للمنطقة وفق معايير أكثر عدلاً وإنصافاً. فنحن نعلم أن أوباما سيكون ميالاً نحو وضع صيغة لجدولة الانسحاب الأميركي من العراق وهذا عمل جيد باعتبار أنه مطلب عراقي.

ولكننا بحاجة إلى أن نرى الرئيس أوباما أكثر انخراطاً مع الملف الفلسطيني وأن يهتم به لاسيما إذا ما علمنا أنه أقرب الرؤساء الأميركيين لمعاناة الشعب الفلسطيني لكونه كان في الماضي مرتبطاً ببعض الجمعيات التي تدافع عن القضية ومع تواصل مع بعض فئات من الشعب الفلسطيني. استنتاجنا هو أن التغير الداخلي والخارجي قادم إلى الولايات المتحدة مع أوباما.. مجرد استنتاج!

F_mansouri78@hotmail.com