لوحظ منذ فترة قصيرة، أن فرنسا بدأت تدخل المنطقة من أوسع أبوابها (الثقافية). في الوقت الذي دخلت فيه الدول الأخرى المنطقة منذ زمن طويل من أضيق أبوابها (المادية). الواقع هو أن الغرب إلى اليوم لا يعرف عن تكوين أهالي المنطقة إلا أنهم بدو رحل انتقلوا بضربة ساحر من البداوة إلى الحضارة ويركبون اليوم العربات الفارهة بعد الجمل والناقة .

ويسكنون القصور الفاخرة بعد الخيمة والعراء ويسبحون في محيطات هادرة من الوقود الخام التي تجري تحت أقدامهم دون أن يعرفوا حتى كيف يستخرجوها أو يكرروها أو يوظفوها لصالحهم ويقومون ببيعها بدولارات زهيدة. ورغم أن بعضهم يأتي إلى هنا، ثم يرحل بعد أن يكون قد جمع ثرواته الطائلة التي لا يحلم بها في بلاده ومع ذلك يرحل وهو يحمل أفكارا أسوأ من تلك التي كان يحملها قبل قدومه. والسبب يعود لكونه لم يأت إلا لجمع المادة دون أن يذهب لأبعد من تلك المربعات الضيقة التي رسمها حول نفسه.

وهذه مأساة. وهي مأساة بشرية. ويجهل الكثير من مجتمعات الغرب أن أهالي هذه المنطقة بالذات والعرب بشكل عام والمسلمين بشكل أعم يجري خلفهم تاريخ أطول من نهر النيل وأوسع من نهر الأمازون.. وأن الحضارة العربية والإسلامية تشكل حجر الزاوية لحضارات العالم، وبينما بادت الحضارة الفرعونية والإغريقية والرومانية والفارسية بأسرع من لمح البصر.

ظلت الحضارة العربية تشع في كل الاتجاهات إلى يومنا هذا. ربما تعثر حاملو هذه الرسالة أو ما زالوا في تعثرهم بعض الشيء أمام العقبات التي للأسف الشديد شارك في إقامتها الغرب نفسه، تارة بالاستعمار وتارة بالاحتلال وتارة بالانتقام وتارة بالحروب وأخرى بقطع السبل أمام أي محاولة للتفاهم، إلا أن حضارة العرب الإسلامية باقية ما بقي الدهر، شاء غيرهم أم أبى.

صحيح أن الشعب العربي متهم بأنه شعب لا يفضل القراءة كثيرا، ولكن ذلك يعود لأسباب كثيرة، لا مجال لتفصيلها هنا، ولكنه يظل في داخله (في جيناته منذ البعثة النبوية) شعباً يريد أن (يقرأ) و(يتعلم) و(يتواصل) وينهض، خاصة بعدما اكتشف العالم في الأيام الأخيرة بأن الاعتماد على المال والمضاربات والديمقراطيات الزائفة لم يعد الحل الأمثل لحل مشاكل الشعوب الغنية والفقيرة على حد سواء.

وقد أدرك الفرنسيون أخيرا وبعد طول غياب هذه الحقيقة وأن الشرق الأوسط سيظل يمثل الجسر الذي يربط الحضارات المختلفة في الشرق والغرب فيما بينها. وأن خير من يمثل الشرق الأوسط في نهضته العمرانية والعصرية وتسامحه في هذه الفترة من الزمن هي دول المنطقة، لاستقرارها الأمني وقوة اقتصادها وحكمة أمرائها.

وكانت ثمرة هذه الدراسة والمراجعة الداخلية المستمرة من قبل الفرنسيين الموافقة على تأسيس فرع لأرقى مؤسسة علمية عرفها تاريخ الحضارات، أين؟ في أبوظبي. ولم يتخيل العالم شرقا وغربا كيف استطاعت هذه المؤسسة العريقة التي عمرها اليوم يزيد على 750 عاما أن تضرب لها عروقا في تربة الإمارات الجافة القاحلة المالحة؟ ولكن أغرب ما في الأمر أن يكون مقرها يقع على مقربة من أقدم جسر في أبوظبي، لتحمل هذه الجامعة شعارا يطلق أهدافه بكل جرأة (جسر بين الحضارات)!

والحديث هنا ليس عن الجامعة، وليس عن المبنى، وليس عن أساتذتها القادمين الواحد تلو الآخر من الجامعة الأم في باريس وليس عن طلابها الذين ينتمون إلى أكثر من 65 جنسية عالمية، في حلقة دائرية منظمة ومعقدة وشاقة وصارمة، وإنما حديثنا هنا عن رمز هذا التواصل الحضاري بين الشرق والغرب.

لم تقم هذه المؤسسة على أساس المنفعة المادية والاستثمار المؤقت أو لاقتناص فرص الكسب باسم العلم وعلى حساب التعلم، وإنما قامت على أساس: التعرف على الآخر من خلال الثقافة والأدب والفن والأخلاق، وليس المال. وهذا ما نحتاج إليه.. نحن في حاجة إلى التواصل والاندماج ومن ثم النهضة مع الآخر، وليس الخوف منه.

صحيح إنه يوجد بيننا وبين الغرب قضايا معلقة، وثارات لم تنته وحروب ودماء ومصالح متضاربة ونزاعات واتهامات وأوراق ووثائق وتعويضات لم تسدد بعد، لكن هذه المسائل لا تحل إلا معهم وبهم ومن خلالهم. نحن لن ننسى أبدا دماء العرب والمسلمين التي أريقت ظلما وعدوانا برصاص بنادقهم ومدافعهم وصواريخهم وطائراتهم ومذابحهم ومساندتهم لأعدائنا دون ذنب منا اقترفناه إلا أن نكون كرماء، ولن ننسى من جهة ثانية شهدائنا وقتلانا وضحايانا على مدى العصور في محاولات التخلص من السياج الذي ضرب على حريتنا.

ولكن ذلك يجب أن لا يحيلنا إلى قتلة ولا يجعلنا إرهابيين. نحن نمد إليهم يدنا البيضاء، ومستعدون لأن نكمل تاريخنا الذي بدأ خطواته الأولى قبل أكثر من 1430 سنة مضت، معهم. ها نحن نفتح أبوابنا لمؤسساتهم العلمية وندعوهم لفتح متاحفهم لدينا، وندعوهم للمشاركة في واحدة من أهم المؤتمرات الدولية التي ستعقد على بعد أمتار من جامعة السوربون في أبوظبي وعلى بعد أمتار من متحف اللوفر وعلى بعد أمتار من شركة توتال البترولية حول:(الجنرال ديغول والعالم العربي).

وتشارك فيه نخبة من شخصيات العالم في مجال السياسة والفكر ومن المؤرخين والأساتذة الجامعيين ويستمر على مدى 3 أيام متواصلة مع كل ما يلزم من وسائل الترجمة الفورية إلى ثلاث لغات عالمية: العربية والإنجليزية والفرنسية. لماذا ديغول؟ لأنه يمثل حقبة خاصة في تاريخ العلاقات الأوروبية العربية، ولأنه محرر بلده من الاحتلال النازي، ولأنه شخصية تاريخية عالمية تركت بصمتها في تاريخ فرنسا والعالم بأسره، ولأنه لم يعد هناك ديغول آخر على وجه الأرض.

أيا كان سبب اختيار هذا الموضوع، إلا أننا نريد أن نقول للعالم على طريقة العرب بأننا شعوب تحب الآخر، ولا تخاف من الآخر وكما قال المهاتما غاندي نفتح نوافذنا لكل الرياح القادمة من جميع الاتجاهات ولكن دون أن نتركها تقتلعنا من جذورنا. وأخيرا، لأننا نحمل شعارا عالميا مقتبسا من القرآن الكريم لا نجد له نظيرا في أي من الديانات أو الثقافات العالمية الأخرى بهذا الوضوح: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)..

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com