كانت وفود عدد من الفصائل الفلسطينية التي خرجت من قطاع غزة، للمشاركة في الحوار الشامل الذي كان مقرراً أن يبدأ يوم الاثنين الماضي العاشر من الشهر الجاري، قد بلغت الجانب المصري من معبر رفح الحدودي، حين جاءها خبر تأجيل الحوار، والعودة من حيث أتت، في انتظار موعد آخر لم يتمكن الفريق المصري المساعد لوزير المخابرات عمر سليمان من تحديثه.

ففي صبيحة يوم السبت، قبل الحوار بثماني وأربعين ساعة، أعلنت حركة حماس عن قرارها بالاعتذار عن حضور جلسة الحوار الشامل في القاهرة، لأسباب لخصتها بعدم نضج الظروف المناسبة لإدارة حوار ناجح ينهي الانقسام. الحديث عن عدم نضج الظروف يذهب إلى ما هو أبعد وأوسع بكثير من الشرطين اللذين طرحتهما حماس لتبرير المقاطعة، وهما أولاً ضرورة أن تفرج السلطة عن المعتقلين السياسيين لديها قبل الحوار، وأن يكون الرئيس محمود عباس مسؤولاً عن وفد حركة فتح في الحوار باعتباره خصماً، له ما للآخرين من رؤساء الوفود المشاركة. وفي التفاصيل اتهمت حركة حماس الرئيس محمود عباس بالإشراف على ما تقوم به السلطة من إجراءات لتصفية حركة حماس في الضفة الغربية، وبأن كل ذلك يندرج في سياق خطة أميركية إسرائيلية، معتبرةً ذلك محاولة مكشوفة من السلطة لإفشال حوار القاهرة. قبل ذلك بيومين، وتحديداً مساء الخميس السادس من الشهر الجاري، كانت حركة حماس قد عقدت في العاصمة السورية اجتماعاً حضرته قيادات من الجهاد الإسلامي، وتنظيم الصاعقة، والجبهة الشعبية القيادة العامة، لتدارس الموقف من مسألة حضور اجتماع القاهرة، ويبدو أن القرار بالمقاطعة قد اتخذ في ذلك الاجتماع.

القرار الذي اتخذته الفصائل الأربع، وتنطحت حركة حماس لتحمل المسؤولية عنه، وبسبب طبيعة القوى التي اتخذته، والمكان الذي وقع فيه الاجتماع، شكل مادة للرد الذي صدر عن حركة فتح، وعن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي اعتبرت أن القرار يأتي استجابةً لتدخلات إقليمية لا ترى أن الظروف مناسبة لإجراء الحوار الفلسطيني.

وفي تفسير المقصود بالظروف غير المناسبة يجري الحديث عن أن قدرة القوى الإقليمية لا ترى ضرورة لتحريك الأوضاع قبل أن يتسلم الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما مهامه الرئاسية، والوقوف على طبيعة التوجهات الأميركية إزاء المنطقة وملفاتها الكثيرة.

أنباء تأجيل جلسات الحوار الشامل، تركت خيبة أمل كبيرة لدى الجمهور الفلسطيني الذي انتظر طويلاً، توفر الفرصة المناسبة للبدء في حوار شامل ينهي الانقسام الفلسطيني ويضع حداً لمعانيات تعددت أبعادها وجوانبها ومخاطرها على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

ليس ذلك وحسب بل أن قرار المقاطعة والتأجيل، أدى إلى اندلاع حرب سياسية إعلامية حيث صعدت الأطراف المتصارعة من خطاب اتهام الآخر، والتشكيك في حسن نواياه، والتحريض عليه، وتحميله المسؤولية عن فشل المحاولة المصرية، هذا فضلاً عن تصعيد حالة الاشتباك اليومي وتوتير الأجواء الداخلية على نحو يترك شعوراً بأن عدم انعقاد جلسات الحوار، يشكل انقلاباً آخر، من شأنه أن يعمق أزمة الثقة، وأن يكرس المزيد من الوقائع الانقسامية.

ولكن هل انتهت الفرصة التي وفرتها مصر والمجموعة العربية، من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني؟ بالرغم من أن قرار حماس وأخواتها ألحق إساءة لمصر والجهد الذي تقوم به لإنهاء مأساة الفلسطينيين، إلا أن ردود فعل القاهرة، تجنب العصبية وقطع الطريق أمام إنجاح المحاولة، فقد أكد وزير الخارجية المصرية أحمد أبو الغيط على تمسك مصر بمبادرتها، وبالورقة التي قدمتها كأساس للحوار الشامل مما يعني أن القاهرة ستعاود محاولاتها واتصالاتها على المستويين العربي والفلسطيني من أجل تدارك الموقف.

وفي حين تتوقع بعض الأوساط أن تستمر حركة حماس في تعطيل الحوار، فإنه يلفت النظر تصريح صدر عن الدكتور نبيل شعت عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وممثل الرئيس محمود عباس في مصر، وهو وثيق الصلة بالمسؤولين المصريين، قال فيه إن موعداً جديداً سيتم تحديده خلال أسبوعين من الموعد الذي تم تأجيله. وفي السياق ذاته يؤكد الرئيس عباس تمسكه بالحوار والحوار وحده أسلوباً لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

على أن الموقف المصري لم يتوقف عند حدود ما أعلنه وزير الخارجية أبو الغيط، إذ شددت أجهزة الأمن المصرية مراقبتها على الحدود مع قطاع غزة، بهدف ضبط حركة نقل البضائع إلى القطاع عبر شبكة الأنفاق، والتي تشكل شريان الحياة لأهل قطاع غزة في ضوء الحصار المشدد الذي تفرضه إسرائيل على المعابر التجارية.

أما أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، فقد أعلن أنه يجري مشاورات لعقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية العرب، كان مقرراً عقده الأسبوع الماضي، ليناقش جملة من القضايا من بينها الموضوع الفلسطيني ولتكوين موقف عربي يحدد من الطرف المسؤول عن تعطيل الحوار وإفشاله.

هذا يعني أن مصر والجامعة العربية لن تتخليا عن دورهما في مساعدة الفلسطينيين على إنهاء انقسامهم واستعادة وحدتهم، حتى لو اضطرتا لممارسة ضغوط سياسية ومعنوية وأخلاقية ومادية على الطرف الفلسطيني الذي يتحمل مسؤولية فشل الحوار.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com