إذا تكررت الإشارة والتنويه إلى حدث بعينه بشكل نمطي، فقد هذا الحدث عنصر الدهشة والإثارة مهما بلغت غرابته واستثنائيته. التكرار وإعادة الإنتاج والتدوير بغرض لفت الأنظار وشد الأسماع والأبصار قد تؤدي إلى عكس ذلك تماماً.. وهو الملل والفتور والعزوف وميوعة ردود الأفعال.
وكلما خلت عمليات الاستعادة والطرق على وجدانات الرأي العام من التجديد والإبداع والإضافات الفارقة، فإنها تؤول إلى هذه النتيجة السلبية بسرعة أكبر. مثلاً، من ذا الذي باتت تؤرقه وتشغله إلى درجة تقض مضجعه أخبار من قبيل الانفجارات التي تودي بحياة أبرياء في واحدة أو أخرى من مدن البلدان (حتى لا نقول بلادنا العربية!)، المنكوبة بالاحتلال أو بمظاهر الحرب الأهلية والقلاقل والفتن السياسية؟. وكم عدد الذين يضجرون ويتأففون وربما يسخرون عند سماع تصريحات لمسئولين عرب أو عجم تحذر من «انهيار عملية السلام في الشرق الأوسط»؟ وكم عدد الذين يتألمون حقاً وصدقاً ويبحثون جدياً عن وسيلة للتحرك الفاعل، لدى توالي الأخبار عن سقوط ضحايا جدد للحصار المضروب على قطاع غزة أو اقتلاع حقل زيتون معمر بجرافات البغي الإسرائيلي في واحدة أو أخرى من قرى فلسطين؟
سيقول البعض ان مراكمة السرد والإعلام عن الظواهر تؤدي إلى جذب الاهتمام بها وتأليف القلوب والآراء حولها ثم الدفاع عنها وتبنيها ولو بعد حين.. غير أن الواقع والخبرة يقولان ان هذا الغرض لا يتحقق في كل الحالات، بل ولا يتحقق بالمرة في بعض الحالات، التي لا تعدو فيها الأصداء مجرد اصطفاف الأخبار فوق بعضها البعض كمياً وبشكل حسابي بحت دون التحول إلى عائد نوعي ملموس.
لنتأمل مثلاً في حصاد أخبار النموذج النضالي المدني الذي تضطلع به قرية بلعين الفلسطينية ضد الجدار الاستيطاني العنصري الإسرائيلي لأكثر من ثلاث سنوات. فعلى مدار هذه الفترة شغلت فعاليات القرية من تظاهرات سلمية ورفع لشعارات احتجاجية ومناشدات ومهرجانات خطابية حقوقية ووقفات تدعو للسلام وتغني له، يشارك فيها أبناء القرية مع متضامنين إسرائيليين ودوليين، الإعلام المحلي الفلسطيني والإسرائيلي والدولي، وظلت تحتفظ بمكانة مرموقة في صدر نشرات أخبار «الصراع الإسرائيلي الفلسطيني».
لثلاثة أعوام أو يزيد تتجه جموع من أبناء بلعين والمتعاطفين معهم بعد صلاة أيام الجمعة إلى حيث الجدار البغيض، الذي مزق القرية وحال بين أهلها وزرعهم وأرزاقهم ومجال حركتهم، ليمارسوا الطقوس الاحتجاجية التعبوية ذاتها، وليواجهوا بالقمع الاحتلالي ذاته.. وبعد سويعات تتشنف الآذان وتتابع العيون نبأ ما جرى بين يدي تلك الوقائع في البرامج الإخبارية المسموعة والمرئية، ثم يختفي هذا الخبر العابر لأسبوع بكامله، وكأننا في فاصل طويل، إلى أن يعاود إطلالته في نشرات ما بعد ظهيرة الجمعة التالية!
لثلاثة أعوام يدور ذلك كله بشكل أسبوعي متواتر وروتيني كحدث عابر بينما يمارس الخلق، المعنيون منهم وغير المعنيين، مدارات حياتهم وكأن شيئاً لا يحدث في رحاب هذه القرية المناضلة الفذة.
علاوة على المناوشات الأسبوعية هذه، يتولى طاقم من المحامين ملاحقة سلطات الاحتلال قانونياً على ثلاثة محاور: إثبات ملكية أهالي القرية للأرض وهدم مستوطنة إسرائيلية أقيمت عليها وإزالة الجدار البغيض إياه.
السؤال الآن هو ما الذي حققه هذا السيناريو المفعم بالكفاح السلمي المدني الدؤوب؟ الحق أن الإجابة لا تبدو مشجعة، فقد استولت إسرائيل على أكثر من ثلاثين في المئة من أراضي القرية (نحو 1300 من 4000 دونم)، ولم يتزحزح الجدار عن موضعه. وعلى سبيل الانتقام، استغلت إسرائيل الاحتجاجات الأسبوعية في إحراق وتجريف مساحات واسعة مما تبقى لأصحاب الأرض الأصليين، وكان أقصى ما سمحت به هو تسهيل تنقل هؤلاء الأخيرين إلى بعض ممتلكاتهم ومزارعهم عبر بوابة يهانون عليها في الغدو والرواح.
لا نود بهذه الإضاءة التقليل من شأن نضالات بلعين والمؤازرين لها. إذ أضحت هذه النضالات مشحونة بالمعاني الرمزية على البغي الإسرائيلي من جهة ومقاومته من الجهة المقابلة. غير أن ثمة مشروعية لتحري أسباب محدودية هذه الحركة النضالية واقتصارها طويلاً على قرية بحجم بلعين، فيما تتعرض عشرات القرى والبلدات والنجوع للمعاناة ذاتها التي خلفها الجدار الأفعواني والاستيطان الاستعماري في المحيط الفلسطيني على مرمى النظر والحجر؟
ولماذا لم تحقق هذه الحركة ما ينبغي لها انجازه أو أكثر مما أنجزته بالفعل، أقله بالنظر إلى استمراريتها وكثافتها لمدى زمني ليس بالقصير؟
أسئلة كهذه تستدعي إلى الذهن التعميمات المتعلقة بمخاطر التكرارية والرتابة وغياب الابتكار والتجديد والفشل في توسيع فعاليات النضال المدني إلى مناطق أخرى بالجوارين القريب والبعيد، بحيث نمسي ـ مع قرية بلعين مثلاً ـ بصدد بؤرة نضالية لمجال يتوسع أسبوعاً تلو أسبوع إلى ان يغطي الوطن الفلسطيني المحتل بأسره.
عدا الاستمرارية والإصرار، يعتمد النضال المدني على الحشد والتعبئة والانتشار على مساحة واسعة وتحول الجداول النضالية المحدودة المتفرقة إلى نهر واسع هادر. وهكذا فإن حراكية بلعين وطول نفسها وصلابتها لا يغنون عن ضرورة رفدها وردفها بتحركات كفاحية مماثلة تتمدد أفقياً بوتيرة متنامية. إذا ما حدث ذلك، لن تصبح جهود هذه القرية الأسبوعية وحيدة أو شبه وحيدة في مواجهة الاحتلال، جداره ومستوطناته بالذات..
سوف ينتقل صداع بلعين إلى مناطق أخرى إلى أن يمسي سرطاناً مزمناً في جسد الاحتلال. وفي أضعف ردود الأفعال، ستخرج نضالات بلعين من دائرة الرتابة والتكرارية ومفهوم الخبر العابر الذي لا يؤبه به ولا يجري التوقف عنده والتأمل في مغزاه ملياً.
غريب حقاً أن تبقى هذه النضالات محدودة في مكانهما وألا تمتد بإشعاعها إلى ما وراء بلعين وبعدها. أين أثر العدوى والمحاكاة ولماذا لا تطل على الكافة «بلعين» أخرى؟ هل خلا جراب الحركة النضالية ودعاة النضال المدني اللاعنفي في الحالة الفلسطينية إلا من بلعين واحدة؟
كاتب وأكاديمي فلسطيني

