تتطلب عودة الديمقراطيين للبيت الأبيض في واشنطن من موسكو نشاطا مكثفا وأكثر بكثير من نشاطها مع الجمهوريين، فطموحات الجمهوريين محدودة ومعروفة بالنسبة لروسيا، حيث الاهتمام بمصادر الطاقة وخاصة النفط، وهو الأمر الذي لا يلقى من الديمقراطيين نفس الاهتمام، بل تشغلهم قضايا أخرى تنبع من نزعاتهم البطولية وانتماءاتهم الوطنية أكثر من الجمهوريين البراجماتيين الذين تهمهم مصالحهم الخاصة ويضعونها فوق كافة المصالح بما فيها مصالح الدولة الأميركية نفسها.
ويتوقع الروس أن يعود الديمقراطيون لتصعيد القضايا الخلافية مع روسيا، ومنها قضية نظام الدفاع الصاروخي الأميركي الذي تنوي واشنطن نشره في أراضي بولندا وتشيكيا القريبة من الحدود الروسية.
وقد اهتم الجمهوريون بهذا المشروع في العامين الماضيين، لكنه لم يكن على رأس أولوياتهم، بل جاء في ترتيب متراجع في اهتماماتهم، ونتيجة لهذا لم يحسم موضوع نشر الدرع بشكل نهائي، بل حتى الاتفاق مع بولندا الموقع في سبتمبر الماضي ليس اتفاقا نهائيا وحاسما، بل جاء في إطار الرد على الهجوم الروسي على جورجيا، ولم يتعد اهتمام إدارة بوش بنشر الدرع الصاروخية إطار الشعارات الرنانة والوعود .
كما أن إدارة الجمهوريين الراحلة من البيت الأبيض قريبا لم تعير الاهتمام الكافي لحليف واشنطن في جورجيا الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي، بل أهملته تماما بعد هزيمته الشديدة من روسيا، وآثرت إدارة بوش التهدئة وعدم التصعيد مع موسكو، وكذلك لم تهتم إدارة المحافظين الجمهوريين بحلفائها الأوربيين الكبار الاهتمام الكافي، وأهملتهم كثيرا بعد ترددهم في تأييد شن الحرب على العراق ورفضهم إرسال قواتهم لجنوب أفغانستان لتقاتل مع القوات الأميركية والبريطانية.
ووصل الأمر إلى تبادل الاتهامات والانتقادات، حيث وصفت واشنطن الأوربيين الكبار بـ «أوروبا العجوز» بينما ذهب وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس يتهمهم بالتخطيط لتحطيم حلف الناتو لرفضهم القتال في أفغانستان.
أيضا أهملت إدارة بوش من المحافظين تماما الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وهي أميركا اللاتينية، مما أدى إلى ظهور نزعات عدائية واضحة و مكسوة باللون الشيوعي الأحمر في أكثر من دولة لاتينية مثل فنزويلا وبوليفيا و غيرهما، وبات من الواضح أن البساط ينسحب من تحت أقدام الولايات المتحدة في القارتين «أوروبا وأميركا اللاتينية».
الديمقراطيون الذين لا توجد لديهم هذه الشراهة الكبيرة للنفط مثل الجمهوريين، ولا توجد لديهم مصالح قوية ومباشرة في الترويج لصناعة السلاح عن طريق خوض المزيد من الحروب، سيسعون على حد توقع الخبراء والمحللون الروس إلى تصحيح أخطاء الجمهوريين التي أضاعت ـ في رأيهم ـ هيبة أميركا وهيمنتها على الساحة الدولية.
ومن المتوقع أن تتحمس إدارة الرئيس باراك أوباما بشكل واضح لموضوع الدرع الصاروخي بالقرب من الحدود الروسية، ويعكس هذا بوضوح أول تصريح إستراتيجي وهجومي من أوباما بالاستمرار في نشر منظومة الدرع الصاروخية في شرق أوروبا.
كما ستعود الإدارة الأميركية للاهتمام بالحلفاء الأوروبيين الكبار الذين اقتربت منهم روسيا أكثر من اللازم بسبب إهمال واشنطن لهم، وكذلك سوف تتجه إدارة أوباما بشكل أكثر فاعلية نحو أميركا اللاتينية لتحاول تصحيح الأوضاع هناك.
وأخشى ما تخشاه روسيا أن تزيد فاعلية الإدارة الديمقراطية القادمة في المحيط الروسي في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وخاصة أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان وغيرهم، حيث تبذل روسيا جهودا كبيرة لجذب جمهوريات الجوار إليها.
وحتى جورجيا التي يجهر فيها نظام ساكاشفيلي بكراهيته الشديدة لروسيا لا تسعى موسكو لإيذائها، بل تسعى لكسب التأييد الشعبي داخل جورجيا لسياستها، لعل الشعب نفسه يهب ويزيح نظام ساكاشفيلي قريبا. روسيا بالفعل رفعت حالة الطوارئ بقدوم الديمقراطيين في البيت الأبيض، والطرفان يمارسان مع بعضهما ألان عملية جس النبض قبل اتخاذ الخطوات الحاسمة سواء للأمام أو للخلف.
كاتب ومحلل سياسي روسي
