يعرف الجميع أن المجموعة الدولية قد لجأت إلى سياسة العقوبات الاقتصادية والمالية أمام عجزها عن حل النزاع النووي مع إيران.هكذا قام مجلس الأمن بفرض ثلاثة قرارات منذ عام 2006 . كان آخرها القرار 1803 الصادر بتاريخ 3 مارس 2008 ، الرامي حسب تصوّر مصمميه إلى متابعة التهميش التجاري والمالي لطهران.

إن قائمة الأفراد والهيئات المرتبطة بالنشاطات «الحساسة» التي ينبغي تجميد أموالها ازدادت إلى 25 اسما؛ والحظر على منتجات التكنولوجيات التي قد تغذّي البرنامج النووي الإيراني قد شملت منتجات «الاستخدام المزدوج»؛ وجرى أيضا استصدار تعليمات تدعو إلى أكبر قدر ممكن من الحذر فيما يخص أشكال التعاون المالي والتجاري مع إيران. بالتوازي اتخذت الولايات المتحدة الأميركية إجراءات ترمي إلى عزل البنوك الإيرانية. كما أنها تمارس منذ عام 2007 الضغط على العديد من البنوك غير الأميركية، خاصة الأوروبية، لوقف تعاملها مع إيران. فما هو التأثير الحقيقي لسياسة العقوبات الاقتصادية هذه؟. تدل الأرقام الأخيرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي أن النمو الإيراني قد وصل في عام 2007 إلى 8 .5 بالمئة، أي أفضل بكثير من النتيجة المحققة في عام 2006 . ويشير نفس المصدر أن إيران قد حققت فائضا جاريا بنسبة 5 .10 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي في عام 2007، مقابل 4 .9 في عام 2006 . كما أن ديونها الخارجية بقيت ضئيلة وتعادل 20 بالمئة من إجمالي إنتاجها الداخلي.

النتائج الاقتصادية لإيران هي إذن جيّدة عموما ومن الصعب أن تُستشفّ فيها آثار سياسة العقوبات. صحيح أن العوائد البترولية لإيران تمثل حوالي 80 بالمئة من صادراتها وحوالي 65 بالمئة من عوائد ميزانيتها، وأن الارتفاع الكبير في أسعار البترول طيلة عدّة أشهر قد زاد كثيرا من عائدات الدولة مما دعم النمو عبر سياسة توسعية جدا في الميزانية مع تأمين فوائض خارجية ضخمة.

مع ذلك أدّى ضخ كمية كبيرة من الأموال (البترودولارات) في الاقتصاد الإيراني إطلاق التضخّم من جديد ليتجاوز 18 بالمئة. هذا المؤشر يغذّي حالة من الاستياء الشعبي الذي يصعب تقدير نتائجه السياسية في الانتخابات القادمة.

فهل كان للعقوبات تأثير على التجارة الخارجية الإيرانية؟.

تدل معلومات البنك المركزي الإيراني أن قيمة الصادرات النفطية وصلت إلى 6 .36 مليار دولار خلال الفصلين الأولين للسنة الإيرانية، أي بزيادة 8 بالمئة بالقياس إلى نفس الفترة من السنة الماضية. ومن الملفت للانتباه أن الصادرات غير النفطية عرفت هي الأخرى تقدما حقيقيا. وخلال الأشهر العشرة الأولى من السنة الإيرانية وصلت قيمتها إلى 5 .12 مليار دولار، أي بزيادة 8 .13 بالمئة في السنة. والإمارات العربية المتحدة (8 .1 مليار دولار) ، كمركز لإعادة التصدير، هي الشريك الأول لإيران.

ويحتل العراق (3 .1 مليار) ثم الصين (مليار) المرتبتين الثانية والثالثة بالنسبة للصادرات الإيرانية غير النفطية. أمّا الواردات فقد ازدادت بنسبة 6 .7 بالمئة من حيث القيمة في نفس الفترة. من الصعب إذن أن نرى أي أثر جدّي للعقوبات على التجارة الخارجية الإيرانية.

لا شك أن العقوبات ضربت بعض المستوردين والمصدرين الإيرانيين ، فالبنوك الأوروبية أوقفت التعامل مع البلاد. هكذا زاد رجال الأعمال الإيرانيين من الدفع نقدا، خاصة بواسطة دورات تقليدية غير رسمية. ثمّ إن الشركات الإيرانية تلجأ أكثر فأكثر في عملياتها إلى بنوك من الصف الثاني الأقل حساسية للضغوط الأميركية. وبشكل عام يؤدي اللجوء إلى الطرق الموازية بالنسبة للواردات إلى زيادة في الكلفة تنعكس على الأسعار. لكن يمكن القول إجمالا إنه ليس للعقوبات حتى الآن سوى تأثير هامشي على الأسعار.

على العكس ، يمكن القول إن سياسة العقوبات قد أدّت إلى تباطؤ تطوير استثمار الحقول الغازية في إيران بسبب الضغوط الممارسة على الشركات البترولية والبنوك الأوروبية. لكن نظرا لضخامة الموارد البترولية فإن آثار هذا التباطؤ لن تصبح محسوسة إلاّ بعد أجل طويل.ثمّ إن إيران قد وقّعت حديثا عقودا بعدّة ملايين من الدولارات مع ماليزيا من أجل تطوير حقولها الغازية.

ونعلم تماما أن سياسة العقوبات لن تكون فاعلة إلاّ إذا طبقتها كل الدول ولا بدّ هنا من ملاحظة أن الشركات الآسيوية تكثّف من حضورها في السوق الإيراني . وكانت حصّة الصين وكوريا الجنوبية قد بلغت بالتتالي 9 بالمئة و3 .5 بالمئة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2007. وكانت مؤسسات صينية قد أبرمت عقودا ضخمة في القطاع البترولي. هذا يعني أن حصّة العديد من البلدان الغربية في إيران قد تراجعت بوضوح.

إن فاعلية سياسة العقوبات لا يمكن البرهنة عليها. ويبقى القول في مثل هذه الشروط إن هذه السياسة ستساهم في تسوية الأزمة النووية هو قول غير مقنع بل يخلق إشكالية، لاسيما أن هذه السياسة المزعومة ينبغي منها تجنّب الحرب. هكذا يغدو من الضروري قطعا إعادة النظر في المقاربة الجارية حيال إيران وصياغة اقتراحات جديدة لتبدأ المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنيّة . وبهذا المعنى يمكن لانتخاب باراك اوباما أن يكون له نتائج حقيقية على هذا الملف.

كاتب ومحلل سياسي فرنسي ــ باريس

professorrabie@yahoo.com