لعل أهم ما سمعنا من مبادرات على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب هو مبادرة صاحب السمو الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الذي أعلن عن مكتبة لكل بيت، وتأتي هذه المبادرة الرائدة في وقت تراجعت فيه قيمة الكتاب وتراجعت معه مشروعات القراءة لكثير من الكتب التي تراكمت دون أن تجد من يقرأها أو حتى يطلع على مضمونها.
ولقد سبق وطرح بعض المهتمين بشأن الكتاب العديد من الأبحاث التي تناولت حال الكتاب العربي وما وصل إليه من تدنٍّ من حيث الإقبال عليه بخاصة في معارض الكتب السنوية التي بدأت تبهت نتيجة كثير من العوامل النفسية والاجتماعية والمادية، بل إن هذا الأفول انعكس على دور النشر العربية التي تكبدت خسارة تلو الأخرى وأصبحت عملية طباعة الكتابة تواجه كثيراً من المسؤولية وربما المغامرة.
ناهيك عن تقلص عدد النسخ لكل كتاب جديد يطبع وبالتالي لا يحظى الكتّاب الناشئون بفرصة التشجيع المناسبة، من جانب آخر تجد أن إقصاء الكتاب عن الحياة اليومية بحيث لا نشاهده إلا في المكتبات العامة التي يتكبد لها العناء لمجرد الوصول إليها والتواصل معها، غيّب الكتاب عن تفاصيلنا المعاشة وأصبحت القطيعة لها مبرراتها، بعكس لو تصفحنا عدد المحلات التي تفتتح يوميا للانترنت لتحتضن الشباب العربي المبهور بهذه الثورة، أو حتى مقارنة بعدد المطاعم والسوبر ماركت.
في العالم المتقدم بثوراته العلمية والتكنولوجية لا يزال لا يعرف هذا التراجع في قيمة الكتاب ولا يزال يشغلهم البحث عن الكتب الأكثر مبيعاً، ولا يزالون يخبئون الكتاب في جيوبهم يستمتعون بالتوحد معه في تلك الدقائق التي يقضونها في الانتظار أو في محطات القطار، ومع اختلاف الحال نجد أن المفارقة تؤلم حين نربي صغارنا على حب الكتاب فقط في التظاهرات السنوية للكتاب.
في حين من المفترض أن تخصص لكتاب الطفل معارضه الخاصة التي تتداخل مع ميوله وتتقاطع مع أفكاره، إن العالم الغربي الذي تهيمن عليه الحياة المادية لا يزال يحتفي بالكتاب من خلال التركيز على تطوير وتفعيل وإنشاط الحياة الأدبية بشكل عام، وإدراج حيوي لفعاليات تقاربية بين أدبائهم وأدباء العالم بأسره.
وهذا ما وجدناه في بعض المعارض المعروفة سواء في بريطانيا أو في الولايات المتحدة أو في ألمانيا، والتي احتضنت دور نشر عربية إضافة إلى أدباء وكتاب عرب واحتفت بانجازاتهم، وقد ساهم هذا الفعل المدروس في تثمين دور الكاتب العربي ولا سيما تثمين الكتاب نفسه وتشجيع يتعدى حدود الزمان والمكان.
وإذا عدنا إلى بحث أسباب تراجع الحياة الأدبية في الوطن العربي وتراجع قيمة الكتاب بشكل عام في الوقت الذي تزدهر فيه صناعة الكتاب في العالم بأسره، سنجد أن حياتنا أصبحت مجردة من القيم الجميلة التي كانت تربط أجيالا مختلفة بسلسلة محكمة من التواصل والتقاطع نكاد الآن لا نشعر بوجودها.
وظهور أنماط معيشية وضعت الجميع في دوامة لا تنتهي إلا متى بدأت وعلى اختلاف الظروف في عالمنا العربي مما انعكس على تواري قيمة الكتاب، لذا لا بد من إعادة التفكير في كسر هذا التواري من خلال وضع استراتيجية تقوم على تقديم الكتاب بصورة مشوقة تحض على القراءة وتشجع على اقتنائه.
ولعل البعض فكّر في إيجاد وسائل أكثر متعة وفي الوقت نفسه تدعو إلى لقاء جميع أفراد العائلة على طاولة القراءة، وإذا كانت المكتبات العامة تقدم نموذجا جيدا لاحتضان كافة شرائح المجتمع ولا سيما الباحث والأكاديمي وطلاب العلم، فإن مشروع مكتبات الأحياء لهي المكان الأكثر تشويقا وتقاطعا مع سكان هذا الحي أو ذاك، وطالما راود المرء هذا المشروع بحيث تشكل هذه المكتبات منفذا للروح تكسر روتين العائلة وتؤمن مكانا نوعيا يمكن أن يستفيد منه الكبير والصغير في آن.
من خلال تنفيذ كثير من البرامج الشهرية والفعاليات السنوية، وما أجمل التحفيز على القراءة لو كان منظما ومدروسا أما إذا عدنا إلى أحيائنا فسنجدها فقيرة بالإمكانيات التي تصهر لقاء الجيران في بوتقة واحدة بل البعض يكبر دون أن يعرف من هو جاره ولا يعرف أترابه، أما ومع استثمار تلك المكتبات فيمكن أن تنشأ رابطة خاصة تقوم على علاقة تضج بالأفكار وتتداخل بحيث تتبنى أولئك الصغار حتى يكبروا ليقوموا بدورهم وهكذا دواليك.
وإذا كان المشروع في حد ذاته فكرة طموحة فإن هذا الطموح سيرتبط برغبة في مواكبته من خلال تبن صادق من قبل البعض ولا سيما الراغب في التطوع في مثل هذه المشروعات التي تتطلب توافرا لمفردة حب الكتاب أولا وأخيرا وهذا قد لا نجده مع اعتبار هذه المهنة مجرد وظيفة للرزق.
وإذا كان الدعم المادي مهما في تنفيذ مثل هذه المشروعات الثقافية الإنسانية فإن الدعم المعنوي ضروري ولا بأس من كسر الطوق الذي تفرضه بعض الأسر على نفسها بالخروج من دائرة البيت إلى دائرة اكبر تحث على خلق أجواء تفعيلية وتكون بمثابة البيت الكبير الذي تظلله شجرة الكتاب.
في بعض الدول تتبنى بعض العائلات مثل هذه المكتبات وتكون بمثابة السوق والمقهى والمدرسة والمكتبة، ويكون هدفها أسمى من الربح لان توفير مثل هذه الأجواء تكون نادرة وحالمة وتعد في حد ذاتها مشروعات مستقبلية للكتاب من الانحسار والغياب.
فلماذا لا يتبنى رجال الأعمال مثل هذه المبادرات التي ترد لهذا الوطن ولو جزءا يسيرا من فضله عليهم وما أكثر رجال الأعمال الذين لديهم رغبات صادقة في تبني المشروعات المفيدة لهذا الوطن فليكن مشروعكم الكبير القراءة للجميع.