توقع الكثيرون أن ترحب روسيا بفوز الشاب الأسمر أوباما المتحمس للتغيير وإصلاح ما أفسدته الإمبريالية الأميركية وما تسببت فيه من إساءات بالغة لسمعة الولايات المتحدة الأميركية وشحن الملايين من شعوب العالم بالكراهية الشديدة تجاهها، كما توقع الكثيرون أن تسعد موسكو بهزيمة الجمهوري المحافظ ماكين الذي صرح أكثر من مرة أثناء حملته الانتخابية بتصريحات معادية لروسيا وهدد بطردها من مجموعة السبعة الكبار.

هذا ما كان متوقعا، ولكن حدث العكس تماماً، فلم يكد يعلن في واشنطن عن فوز المرشح الديمقراطي أوباما بالرئاسة حتى انطلق بعدها بدقائق الرئيس ديمتري ميدفيديف في خطابه السنوي في الكريملين أمام الاجتماع البرلماني ليعلن عن قرار روسيا بنشر منظومة صواريخ «اسكندر» القصيرة والمتوسطة المدى في مقاطعة كاليننجراد الغربية بالقرب من حدود بولندا وتشيكيا .

،وانطلق الرئيس ميدفيديف في خطابه يكيل الاتهامات والانتقادات الحادة للسياسة الأميركية ويتوعد ويحذر كل من تسول له نفسه أن يتعرض أو يهدد مصالح روسيا وأمنها، ولم يهنئ ميدفيديف في خطابه أوباما بالفوز بالرئاسة ولم يذكر اسمه، واكتفى الكريملين بإرسال برقية تهنئة رسمية.

الحقيقة أن ما حدث من الرئيس ميدفيديف يعتبر في العرف الدبلوماسي أمرا غير لائق وغير مقبول، خاصة وأن ألد الدول عداء للولايات المتحدة مثل إيران وفنزويلا أرسل رؤساؤها برقيات تهنئة للرئيس الأميركي الجديد وصرحوا بأمانيهم الخاصة بتغيير السياسة الأميركية مع الإدارة القادمة.

ولكن لفهم الموقف الروسي هذا يحتاج الأمر لشرح طبيعة العلاقات بين روسيا والديمقراطيين في واشنطن بالتحديد، حيث إن معظم أصحاب السياسات المعادية لروسيا في الأساس من الديمقراطيين، كما أن المجموعة المحيطة بالرئيس الجديد أوباما تضم الكثيرين من هؤلاء، وعلى رأسهم نائب الرئيس جوزيف بادن المعروف بتوجهاته الحادة ضد روسيا.

ويجدر الإشارة هنا إلى أن جميع الاتفاقات الثنائية الهامة بين موسكو وواشنطن، وخاصة منها ما يتعلق بالأسلحة الإستراتيجية والنووية تم توقيعها في عهد الجمهوريين، بينما دأب الديمقراطيون على رفض التقارب مع روسيا أو التعاون معها .

ونشير هنا إلى الحملة الانتخابية للمرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية عام 2004 جون كيري أمام الرئيس بوش الابن، فقد ركز كيري أكثر من مرة في حملته على الهجوم على روسيا وانتقاد سياساتها الداخلية والخارجية.

واتهم كيري الرئيس بوش بالتهاون في التعامل مع روسيا وإعطائها الفرصة للنهوض وتطوير اقتصادها وقوتها العسكرية، وحذر أكثر من مرة من خطر روسيا القادم على الولايات المتحدة الأميركية، بينما لم يهاجم كيري إيران ولا فنزويلا ولا سوريا، فقط هاجم روسيا والصين أيضاً.

المشكلة تكمن في طبيعة وجوهر فكر وسياسة الديمقراطيين والتي تشكل الاختلاف الرئيسي بينهم وبين الجمهوريين، فالديمقراطيون في الولايات المتحدة تغلب عليهم النعرات البطولية الوطنية وعقيدة الدولة العظمى أكثر من الجمهوريين الذين تغلب عليهم الطبيعة البراجماتية الشخصية التي تجعلهم يفضلون مصالحهم الخاصة على كل شيء.

وحتى على مصالح الدولة الأميركية نفسها، وخاصة المحافظين منهم الذين يمثلون في الغالب مصالح أباطرة الصناعة والنفط والمجمع الحربي الصناعي الأميركي، وبينما يذهب المحافظون الجمهوريون لإشعال الحروب في المناطق الضعيفة التي يوجد فيها النفط وأسواق بيع السلاح، يذهب الديمقراطيون لاستعراض قوة الدولة العظمي أمام الدول الكبيرة مثل روسيا والصين .

موسكو تتوقع من الإدارة الديمقراطية القادمة أن تسعى للخروج من المستنقع العراقي لتتفرغ لروسيا وربما أيضا للصين اللتان انتهزتا فرصة انشغال المحافظين الجمهوريين في الشرق الأوسط لينهضا بسرعة ويتقاربا ويطرحا معا شعار ضرورة القضاء على نظام هيمنة القطب الواحد .

رسالة ميدفيديف لأوباما التي انتقدها البيت الأبيض بشدة هي رسالة تحذير وتنبيه إلى أن روسيا اليوم ليست هي التي كانت من قبل ضعيفة ومنهارة، بل إنها الآن أقوى مما كانت عليه في الحقبة السوفييتية.

كاتب ومحلل سياسي روسي

opinion@albayan.ae