انتهت مسرحية الانتخابات الأميركية. بالطبع بتصفيق حاد جداً. مع أن الكل كان يعلم مسبقاً بنتائج الانتخابات. فالهوة كبيرة جداً بين المرشحين، بين رجل طاعن في السن ورجل شاب طموح، بين رجل يحاول دون جدوى أن يتنصل من سياسة حزبه وصقوره ورجل يدافع عن قيمة الإنسان، بين رجل اختار نائبته في الرئاسة دون دراسة ورجل يحسب لخطواته المقبلة بشكل أكثر واقعية، بين رجل تحول إلى محقق في تاريخ خصمه الماضي أكثر من اهتمامه بأزمة شعبه الحاضرة، ورجل تعامل مع خصمه بترفع عن الترهات وكرس وقته لشرح برنامجه الانتخابي. كل هذا وغيره ساعد باراك أوباما على أن يسبق خصمه بعدة درجات.

انتهت اللعبة الآن، وبدأ الجد. واختار الشعب الأميركي قائده الديمقراطي بكل ثقة بعد أن مل من ممارسات الحزب الجمهوري، ولم يعد يسمع للخطاب العنصري والقائم على رفض الآخر والتفرقة واللون وتزييف الحقائق حتى تحول لون البيت الأبيض إلى اللون الأسود. والتحديات التي تنتظره بالطبع كبيرة جداً. فتراكمات إرث حكم أسرة بوش على مدى 16 عاماً كانت كافية لأن تجر الولايات المتحدة الأميركية إلى الهاوية. بل أنها فعلاً بدأت تتدحرج فيها، وعلى أوباما ذي الأصول العائلية الفقيرة أن يجرها من جديد إلى الأعلى. فهل سينجح؟

لا أحد يستطيع أن يتنبأ بالمستقبل، ولكن الإرث ثقيل جداً، ومعقد، ويستلزم قرارات صارمة لا تحمد عقباها.

أولاً، فيما يتعلق بالعراق. وهو قرار استراتيجي صعب جداً. إن بقاء الجيوش الأميركية في المنطقة يعني مزيداً من الخسائر المادية والمالية والبشرية والنفسية وقد تصل إلى تشويه سمعة الدولة العظمى في العالم. ولا ينسى باراك أوباما، أن واحدة من أهم أسباب اختيار الشعب الأميركي للمرشح الديمقراطي هي أمله بإعادة الاعتبار إلى الاقتصاد الأميركي المنهار، وإلى إنقاذ المئات وربما الآلاف من أرواح الجنود الأميركيين على الجبهة العراقية.

غير أن سحب هذه القوات آجلاً أم عاجلاً يعني خسارة الولايات المتحدة لواحدة من أهم مناطقها الاستراتيجية في العالم التي تفيض بالنفط الخام الذي يسيل له اللعاب ومحط أطماع دول كثيرة، وهو الذي ضحت لأجله الولايات المتحدة بالغالي والنفيس، في الوقت الذي بدأ الدب الروسي بالاستيقاظ من سباته الطويل.

فهل سيرضخ أوباما وهو أمام طاولته المهيبة في البيت الأبيض أمام مستشاريه وواقع الخرائط والأرقام والتقارير الاستخباراتية السرية والدراسات الاستراتيجية بالخطوط الرئيسية لسياسة بلاده في الخارج ويبقى على الجيش الأميركي، حيث هو اليوم في العراق وأفغانستان، وبالتالي يكون قد ضحك على منتخبيه وناقض برامجه الانتخابية، أم سيلتزم بتعهده حتى ولو أدى ذلك إلى خسائر استراتيجية مهمة للولايات المتحدة الأميركية في العالم؟ كلا الأمرين طعمه مر.

ولكن فيما يبدو فإن اهتمامات الرئيس الأسود في البيت الأبيض ستميل نحو إعادة بناء اقتصاد بلاده من الداخل قبل كل شيء، حتى ولو أدى إلى اختصار تكاليف الحرب التي أهلكت الخزينة الأميركية وزعزعت أمن وكيان المواطن الأميركي.

ثانياً، تبقى القضية الفلسطينية المسألة الثانية الأهم على طاولة الرئيس الجديد. فباراك أوباما يعلم تمام العلم أن ما آلت إليه الحال في الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة يرجع السبب فيه إلى تورطها المستمر في حروب مختلفة في الشرق الأوسط، وهذه الحروب سببها عدم جدية إسرائيل في إيجاد حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني. فهل سيفرض إرادته على العدوين اللدودين ويغلق ملفها إلى الأبد؟

ربما ولكن ليس قبل ترتيب الاقتصاد الأميركي وحل معاناة شعبه. ويجب أن نقر أن تصريحاته أثناء حملاته الانتخابية بحماية أمن إسرائيل لا يعني الرضوخ لها ولمطالبها بل وحمايتها بشكل أعمى كما حصل في عهد بوش على سبيل المثال. قد تكون حمايتها من وجهة نظره مشروطة باستجابتها لخططه من أجل حل نهائي وعادل للقضية الأكثر تعقيداً في التاريخ المعاصر.

وقد يعني بحماية أمن إسرائيل أن تساعده على حماية نفسها بتوقيع معاهدة سلام مع باقي الدول العربية. وهذه فرصة للعرب يجب التخطيط والتحضير لها بشكل واقعي وجيد. حيث ان أوباما يريد أن يثبت ابتداءً من هذا اليوم أنه رئيس التغيير ورئيس الواقعية ورئيس العدالة.

أما المسألة الثالثة، فهي متعلقة بموضوع إيران. فمما سبق ومن مواقفه أثناء حملاته الانتخابية ومن تصريحاته، نستنتج بأن الرئيس الجديد جاء ليضمد جراح جيشه ويعيده إلى وطنه، ويهتم بإصلاح اقتصاده المنهار ويقوي عزيمة شعبه الذي انقسم على نفسه بين يائس وغير متفاءل.

وبالتالي ومن التجارب السابقة فإنه ليس من المنطقي على الإطلاق أن يغامر في حروب بعيدة جديدة وطويلة ومع دول مهمة كجمهورية إيران الإسلامية، التي سارع رئيسها محمود أحمدي نجاد بتهنئة رئيسها بمجرد فوزه ربما لعلمه بحكمة الرئيس الجديد.

إن باراك أوباما والشعب الأميركي من خلفه اكتشفوا قيمة الفاتورة التي دفعوها على كل الأصعدة المادية والبشرية والنفسية لحماية دولة إسرائيل التي لا تلتزم لا بقرارات الأمم المتحدة ولا بقيم العالم ولا حتى بصداقتها لأميركا، وتمارس أبشع أنواع الظلم والاستبداد والعنصرية على شعب أعزل حرمته من الغذاء والماء والنور، وورطت الولايات المتحدة في حروب لا ناقة للأميركيين فيها ولا جمل.

ولا يغيب عن بال أوباما بالطبع بأن حروب الولايات المتحدة مع أفغانستان وباكستان وإيران والعراق ولبنان كلها تنفيذ لخطط اللوبي الصهيوني وإسرائيل التي أرادت (من خلال إغراء الدولة العظمى بالعصاً التي علقت فيها جزرة الهيمنة العالمية والمصالح الاستراتيجية) تكسير مجاديف أي دولة (قد) تشكل يوماً ما تهديداً لكيانها.

وليس أدل على ذلك من قضية الملف النووي الإيراني الذي كادت تندلع بسببه حرب جديدة يكون المستفيد الأول والأخير منها إسرائيل الذي دللته الولايات المتحدة أكثر من طاقتها. وما كان موقف الولايات المتحدة من ملف كوريا الشمالية إلا لأنها كانت تصدر إلى تلك الدول خبرتها في ذلك المجال. وإلا فلماذا لم نسمع قط عمن يتحدث عن خطر البرنامج النووي الهندي على العالم؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com