ليس هذا مقالاً سياسياً عن أميركا، وإن أحببت أن تكمل المقال بعد هذا الخبر، فإليك هذه القصة: يحكى أن جرّاحاً كان يستعد لحفل زفاف ابنته الوحيدة التي فقدت أمّها وهي صغيرة. حيث كان أبوها يمثّل لها العالم أجمع، وكانت هي بالنسبة إليه كل ما بقي له في هذا العالم.

وفي يوم زفاف ابنته المشهود، لبس الأب البدلة التي اشتراها بمبلغ كبير لتكون أفضل بدلة يلبسها في أسعد يوم في حياته. وقبل أن يخرج إلى ابنته ليدخلها إلى صالة الاحتفال، جاءه اتّصال من أحد جيرانه يخبره بأن ابنه قد تعرّض لحادث وأنه في حاجة إلى جراحة مستعجلة، وليس في القرية جرّاح إلا هو. فما كان من الأب إلا أن هرع إلى المستشفى بعد أن طبع قبلة على جبين ابنته وتمنّى لها زفافاً سعيدا.

كان الأب ينتظر هذه اللحظة طوال حياته، حتى أنه حمل في ذلك اليوم رفاتاً من قبر زوجته ليكون معه وهو يدخل ابنته إلى قاعة الاحتفال، في تكريم رمزي للمرأة التي أحبّها وعاش معها أجمل سني حياته.

لم يتردد الجرّاح عندما طُلبت منه المساعدة في الخروج فوراً إلى المستشفى، بل إنه لم يخطر على باله أن يطلب من جاره أن يعذره في هذا اليوم الذي لن يتكرر في حياته، فما قام به أملته عليه قيمه التي حملها معه منذ أن أدرك الحياة من حوله.

إن القيم تشكّل شخصية الإنسان، وترسم مسار حياته. وكلّما كانت قيم الإنسان واضحة، كان تردده أقل، وكلّما كانت قيمه عميقة، كان دوره في الحياة أعمق. فالقيم أساس المجتمعات، وقيم المجتمع هي امتداد لقيم أفراده.

إلا أن تلك القيم العامّة يصنعها بعض الأفراد فقط وليس كلّهم بالضرورة، وخصوصاً أولئك الأفراد المؤثّرين في المجتمع واللاعبين الرئيسيين فيه. وسواءً كان هؤلاء الأفراد فقراء أم أغنياء، فلا فرق، المهم أن يكون لهم إسهام في المجتمع، فيلتف حولهم الناس، ليؤمنوا بما يؤمنون به، وينتحلوا صفاتهم وأخلاقهم.

في عام 2004 حال أعضاء الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة دون ترشّح هيلاري كلينتون للرئاسة، وفضّلوا أن يتم تجهيزها وإعدادها لتخوض انتخابات عام 2008 وهي في أوج قوّتها. وفعلاً، تحقق لهم ما كانوا يريدون، إلا أنهم فوجئوا بهذا الأميركي الأسود الذي بدأ يشاغب على الساحة السياسية.

ومع مرور الوقت، استطاع أن يحشد ذلك، الشخص الذي لم يكن له حظ كبير من الدنيا، عددا لا بأس به من الأصوات التي بدأت بدعمه في حملته الملحمية تجاه البيت الأبيض. ثم انتقل فجأة إلى تجييش «المستضعفين» الذين قال عنهم إنّهم تركوا أعمالهم ليعملوا في وظيفة تدفع لهم أجراً أقل وتثقل كواهلهم بعمل أكثر.. ولكنهم أتوا لأنهم يحملون أملاً بالتغيير.

ومن حيث لم يدرِ أعضاء الحزب الديمقراطي، تحوّل أوباما من مرشّح لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي إلى حركة داخل الحزب قلبت جميع موازينهم، وأحالت خططهم إلى التقاعد حتى كسب المعركة ضدّ امرأة محنّكة، دعكتها السياسة لسنوات طويلة، إلى جانب أنّها تنحدر من عائلة امتهنت السياسة منذ (خشونة) أظفارها.

ثم تحوّل أوباما إلى ظاهرة عالمية، فأصبح الجميع يتابع خطاباته، حتى خصومه الجمهوريين كانوا يحضرون خطابته التي كانت تبكيهم أحياناً ثم تبث فيهم روح الحماس والرغبة في التغيير أحياناً أخرى.

فأوباما الذي تركه أبوه وهو لم يبلغ العامين، لم يكن يتحدث عن خصومه في الحملة الانتخابية كأشخاص، بل كان يتحدث عن مشاريعهم وأفكارهم، وكان كلّما هاجمه أحدهم، يرد على كلامه وليس على شخصه.

حتى عندما قالت عنه هيلاري بأن جلّ ما يستطيع فعله أوباما هو الكلام فقط،، فهو لا يتحدث إلا عن الأمل وعليه أن يعود إلى أرض الواقع، رد عليها قائلاً:«عندما تركني أبي مع أمي التي كانت مراهقة آنذاك، ذهبنا للعيش مع جدي وجدتي اللذين لم يكن لديهما المال الكافي لإعانتنا، إلا أنهما أعطياني الأمل في الحياة، والأمل هو الذي أوصلني إلى هذه المنصة.

وعندما نظر جون كيندي إلى القمر لم يقل إنه بعيد ولن نستطيع أن نصل إليه، ولم يقل إنّه أمل خائب. ومارتن لوثر كينج لم يقف أمام نصب لينكولن التذكاري وقال للشعب الأميركي بأن الحلم الأميركي هو أمل خائب، ونحن في حاجة إلى العودة إلى أرض الواقع...» حتى انتهت خطبته ولم يذكر اسم هيلاري كلنتون على الإطلاق.

وفي حلقة النقاش الأخيرة بين المرشحين الرئاسيين كان كلّما هاجم ماكين أوباما يرد الأخير بانتقاد سياسة الأول وليس شخصه، بل إنه عندما سُئل عن سارة بالين، أثنى عليها ولم يقل كلمة تشكك في مقدرتها السياسية، بعكس ماكين الذي هاجم جو بايدن عندما سئل عن رأيه فيه.

لست هنا في صدد الثناء على أوباما، فلا أحد يعرف كيف سيكون حال البيت الأبيض بعد أن يستلم زمام الأمور فيه، وعلى كل حال فإن الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات وقلّما تتغير إستراتيجيتها كثيراً بتغير رئيسها، ولكن ما شدّني في هذا الرجل أنه استطاع أن يشق طريقه من قاع المجتمع، من كونه فرداً فقيراً ينحدر من أقلية عرقية، إلى أن تسلّم زمام السلطة في ملحمة تاريخية تذكر بعض أجزائها (بمونودرامية) عبد الرحمن الداخل الذي لقّبه أبو جعفر المنصور ؟

على الرغم من عدائه له ؟ بصقر قريش، المونودراما هي المسرحية التي يكون فيها ممثل واحدٌ فقط، حيث خرج من الشام طريداً، ودخل الأندلس وحيداً ثم أسس لستة قرون من المجد للمسلمين في تلك البلاد البعيدة.

هناك مثل يقول بأن العقول العظيمة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، أما العقول الصغيرة فإنها تناقش الأشخاص... ولأن أوباما كان دائماً يناقش الأفكار ويتحاور معها، فإنه استطاع أن يرقى بنفسه إلى سلّم الرئاسة.

لقد كانت رحلة أوباما صوب البيت الأبيض محفوفة بالصعاب ولا شك، ولكنه التزم بقيمه طوال تلك الرحلة، تماماً مثلما فعل الجراح ليلة زفاف ابنته، ولذلك، لم يستطع المتربصون به أن يقولوا:«من هذا الرجل؟ وماذا يريد؟».

بل إن الجميع كان يقرأه ككتاب مفتوح. وبعد ما وصل إليه أوباما، نتمنى ألا تفتك به الأهواء السياسية فتحيده عن تلك القيم التي تمثّل بها ونادى لها، ونتمنى ألا تغيره كشخص أحبه الناس وتبعوه حتى خط النهاية، فيكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة.

yasser.hareb@gmail.com