شهدت محادثات التجارة العالمية مؤخرا فشلا نجم عن رفض الدول النامية إضعاف معيار يطلق عليه اسم آلية الضمانات الخاصة يهدف إلى حماية المزارعين الفقراء، وذلك على الرغم من الضغوط الهائلة التي تعرضت لها من قبل البلدان المتقدمة.

وتتيح هذه الآلية للبلدان النامية رفع الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية من خلال فرض رسوم إضافية لحماية سبل العيش التي يقتات منها مئات الملايين من المزارعين الفقراء من طفرات الاستيراد وانخفاض أسعار المنتجات الزراعية الحساسة مثل القمح والأرز.

وعلى الرغم من أن هذه التدابير تعتبر احترازية وتستخدم في حالات الطوارئ فقط. إلا أن التطورات الراهنة تثبت صحة موقف الدول النامية، فها هي الأزمة المالية أدت إلى انخفاض أسعار النفط وكثير من المنتجات الصناعية ومن المتوقع أن تشمل منتجات مختلفة أخرى في العالم.

وتعتبر آلية الضمانات الخاصة التي تم اقتراحها للبلدان النامية خلال المحادثات أضعف من الآلية المماثلة المتاحة للبلدان الغنية والتي تهدف إلى حماية مصالح المزارعين في الدول الغنية من الواردات الزراعية المنخفضة الثمن.

وكان موقف العملاقين الآسيويين الهند والصين المنسجم على هذا الصعيد قد أتى عند منعطف حاسم عانت فيه الأولى من ضربة لجهودها الرامية إلى حماية مصالح مزارعيها الفقراء ومزارعي البلدان النامية والدول الأقل تقدما.

كما أن الصين أعلنت بوضوح انها لن تقدم أية تنازلات فيما يتعلق بالمنتجات الخاصة (المنتجات الخاصة هي المنتجات الزراعية التي يفرض عليها حدا أدنى من الرسوم أو قد لا يفرض عليها إطلاقا) أو بآلية الضمانات الخاصة وذلك بهدف حماية مزارعيها الفقراء، وأرادت أن تدرج كلا من الأرز والقطن والسكر كمنتجات زراعية خاصة.

وعلاوة على ذلك، فقد حصلت الصين والهند كذلك على دعم نحو 100 دولة أخرى بما فيها مجموعة ال33 (وهي مجموعة تضم دولا مثل الهند واندونيسيا وكوبا والفلبين وفنزويلا، وتشترك جميعها بأن لها مصالح في مجال الزراعة)، والمجموعة الافريقية، ودول الكاريبي والباسيفيك، ومجموعة الدول ذات الاقتصادات الأقل نموا.

وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية فيما يتعلق بالتزامات فتح الأسواق على السلع الزراعية والصناعية، فإن الموقف المختلف الذي تتخذه الدول المتقدمة جعل من الصعب تحقيق أي تقدم على صعيد قرار آلية الضمانات الخاصة والتي تثبت الأزمة الاقتصادية العالمية أهميتها.

وإن أي أمل يرجى في تحقيق نتائج مفيدة للبلدان النامية سرعان ما يتبدد بسبب فشل الدول الغنية في تقديم المصالح طويلة الأجل للبلدان النامية والاقتصاد العالمي على المصالح الآنية لجماعات الضغط المحلية في الدول الصناعية الكبرى.

إن عدم قدرة منظمة التجارة العالمية على الوفاء بوعودها الأصلية التي قطعتها في بداية جولة الدوحة للمفاوضات يمكن ردها إلى توجيه هذه المحادثات فيما بعد لتحقيق مصالح البلدان المتقدمة. وإن التعليق للمحادثات متعددة الأطراف في إطار منظمة التجارة العالمية والسعي من قبل الدول المتقدمة إلى إدخال البلدان النامية الأكثر فقرا في اتفاقات تجارية ثنائية ستلحق الضرر بهذه الدول النامية.

وتكمن المشكلة الحقيقة في أن الدول المتقدمة والدول النامية لم ترتق إلى درجة بناء شراكة بسبب عدم التساوي من ناحية القوة. وإن الاتفاقيات الاقتصادية الراهنة وغيرها من الاتفاقات الثنائية يمكن أن تؤدي إلى خلق مناطق تجارة حرة والتي سوف يكون فيها المزارعون من البلدان الأكثر فقرا والمنتجون وشركاتهم في منافسة مفتوحة مع مزارعين ومنتجي وشركات الدول المتقدمة المدعومين من قبل حكوماتهم إلى درجة كبيرة جدا.

ولم تنجح الدول الغنية في وضع التنمية على رأس قائمة أولويات جدول أعمال المحادثات، وساهمت البلدان النامية إلى حد كبير في وضع مسألة العمل من أجل وضع قواعد تجارية عادلة على صدارة جدول الأعمال الدولي في منظمة التجارة العالمية.

لقد كانت الفكرة من المحادثات خلق نظام تجاري موحد للعالم أجمع. ولكنه ومع فشل محادثات منظمة التجارة العالمية فإن مستقبل التجارة يبدو مجزأ بصورة أكبر، ومستقبل النظام التجاري العالمي والبلدان النامية لا يزال غير واضح، كما أنه من المرجح أن تنشب حروب تجارية مريرة مستقبلا ما لم تتضافر الجهود الدولية لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية والتي ستشمل الدول المتقدمة والنامية في زمن العولمة وتأثر اقتصادات الدول ببعضها.

إن البلدان التي تعتبر الأكثر حاجة للانتعاش الاقتصادي تعتبر أيضاً من أكثر الدول المتأثرة سلبيا بالأزمة الراهنة. فالبلد الأضعف اقتصاديا تعتبر الحلقة الأضعف دائما في أية مفاوضات تجارية. ولكن الدول الصناعية الكبيرة نفسها سوف تواجه أوقاتا عصيبة في الظرف الراهن.

وإن انهيار محادثات منظمة التجارة العالمية يعني وضع حد لهدنة الحرب التجارية التي اتفقت عليها كافة الدول في جميع أنحاء العالم. ففي العصر الحديث لن تكون الجهود السلمية لتجنب الحروب العسكرية ولكن لتجنب الحروب المالية، أو ما نطلق عليه اسم الحروب التجارية.

إن المستقبل المجزأ للتجارة العالمية والأزمة المالية الحالية وضعت العديد من البلدان في المستقبل في خطر. وإن الاضطرابات الحالية في الأسواق المالية العالمية تسببت في المزيد من الفوضى أكثر من الفوضى التي شهدها التاريخ الاقتصادي المنصرم في العالم.

a_wahishi@yahoo.com