المشروع الأميركي لجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أميركياً، صاغه من أُطلق عليهم تسمية «المحافظون الجدد»، وهم مجموعة من الناشطين اليمينيين في الحزب الجمهوري الذين وجدوا في نهج الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان، الذي أسهمت سياساته القريبة من سياسات رئيسة الوزراء البريطانية المحافظة مارغريت تاتشر في تسريع انهيار الاتحاد السوفييتي، مصدر إلهام وخارطة طريق تتيح للولايات المتحدة فرض هيمنتها على العالم في القرن الجديد. وضع هؤلاء في عام 1997 أهدافهم في الصيغة التالية:

«يبدو أننا قد نسينا العناصر الأساسية في نجاح إدارة الرئيس رونالد ريغان، وهي:

1. قوة عسكرية قادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

2. سياسة خارجية تنشر بعزم وتصميم المبادئ الأميركية في الخارج.

3. قيادة وطنية تتقبل مسؤوليات الولايات المتحدة العالمية».

ذُيل هذا الإعلان الهام بتوقيع عدد من السياسيين الذين التحقوا فيما بعد بإدارة الرئيس جورج بوش، ومنهم ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وآخرون غيرهم. كما أسهم في مباركته بعض من يُعتبرون في مصاف المفكرين المنظرين من أمثال فوكوياما صاحب أطروحة «نهاية التأريخ».

في هذا الإعلان أعرب الموقعون عليه، مدفوعين بهاجس مشابه لهواجس دعاة الدولة القومية المتعصبين لعرقهم، عن رغبتهم في إعادة القيم المحافظة، التي يرون أن خير من مثلها والتزم بها هو الرئيس رونالد ريغان، إلى الحزب الجمهوري وإلى الولايات المتحدة، بعد أن انحرف قليلاً عنها الرئيس جورج بوش الأب وتمادى في الانحراف عنها الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، وذلك لأنهما كانا أقل اقتحامية في مقارباتهما للقضايا الدولية من سلفهما رونالد ريغان.

هذه الأجندة يمكن أن تكون أجندة أية دولة عظمى في العالم، وهي في حالة قدرة الولايات المتحدة على تنفيذها فإنها تصبح قوة منفردة في الساحة الدولية لأمد طويل في القرن الحادي والعشرين. والحقيقة أن هذه الأجندة قد اتبعت بهذا الشكل أو ذاك من قبل معظم الرؤساء الأميركيين، إلا أنها كانت أكثر وضوحاً في عهد الرئيس جورج بوش الابن على مدى الأعوام الثمانية المنصرمة.

الحرب على العراق كانت البدء في تنفيذ خطة المحافظين الجدد لتعزيز عناصر القوة التي لدى الولايات المتحدة، وإضافة عناصر قوة أخرى عن طريق الهيمنة على مناطق النفط في العالم، ونشر القيم الأميركية في الخارج وإزالة الأخطار التي تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة، مسلحين بتجربة النجاح في البناء الديمقراطي في ألمانيا واليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فالحرب في أفغانستان لم تكن غير رد فعل لأحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

والآن وبعد أن أخفقت إدارة الرئيس بوش في تحقيق أجندتها في العراق بالشكل الذي أرادته، وبعد أن كشفت عن مقدار ضعفها في معالجة أزمات تخص الداخل الأميركي كما حصل في أدائها المتواضع في مواجهة إعصار كاترينا، وبعد أن انهزم الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأخيرة هزيمة منكرة.

وبعد أن دفع معظم دول العالم ثمناً باهظاً لفشل فلسفة الاقتصاد الحر التي انبثقت عن الثورة الرأسمالية الليبرالية التي كان رونالد ريغان أحد أبرز قادتها، وهي ثورة يمينية لا يزال معظم العواصم العالمية متأثرا بها على مدى العقود الثلاث المنصرمة، يرى بعض المراقبين أن حقبة المحافظين الجدد قد انتهت إلى غير رجعة وأن استراتيجيتهم قد فشلت.

قد يكون استنتاج كهذا في محله، إلا أن هذا ليس في الحقيقة هو الجوهر، فهؤلاء لم يكونوا سوى أتباع قاموا بارتكاب أخطاء كبيرة. وفشل الحزب الجمهوري في الانتخابات قد لا يكون بالدرجة الرئيسية بسبب الأخطاء التي ارتكبتها إدارة الرئيس بوش، وإنما بسبب تغير في مزاج الناخب الأميركي الذي يتطلع إلى التجديد، وهو ما يحدث دائماً.

فقد كان الرئيس كلينتون من أنجح الرؤساء الأميركيين، إلا أن الناخبين لم يصوتوا لصالح المرشح الديمقراطي آل غور الذي كان شريكاً له في النجاح الذي حققه. لنترك هؤلاء المحافظين الجدد جانباً ولنتحدث عن مستقبل الريغانية، فهل انتهت لأن مرشح الحزب الجمهوري القريب في رؤاه إلى الرئيس بوش قد خسر الانتخابات؟

من الخطأ تصور ذلك، فقد كان رونالد ريغان حاضراً في الحملة الانتخابية الأخيرة بشكل جلي لدى المعسكرين المتنافسين، وكان للريغانية معنى ذو طبيعة إلهامية في ذهن كلا المرشحين. ففي المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري جرى تقديم المرشح جون مكين على أنه أحد جنود المشاة في ثورة رونالد ريغان، وعُرضت صورته وهو يستلم بركة الكاهن ريغان الذي يعتبره مثله الأعلى.

والمرشح الديمقراطي باراك أوباما لم يتردد هو الآخر في العزف على الوتر نفسه، حين وصف في مطلع السنة الحالية رونالد ريغان بأنه رئيس مرحلة غيرت مسار الولايات المتحدة بطريقة عجز عن القيام بمثلها ريتشارد نيكسون أو بيل كلينتون.

الظروف التي تمر بها الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، خاصة بعد أن عصفت بها الأزمة المالية العالمية، تفرض عليها واقعاً تراجعياً، بمعنى أنها لن تمضي قدماً في توسيع دائرة انشغالها والتزاماتها خارج الأراضي الأميركية، وهذا يطمئن بعض الدول التي كانت مستهدفة إلى حد كبير في الفترة السابقة.

إلا أن هذا التوقف في التوسع لا يعني اتجاهاً نحو الانكماش والانكفاء نحو الداخل، فذلك يعني هزيمتها ونهايتها كقوة عظمى، وهذا أمر غير ممكن في التوازنات الدولية، وذلك لأن الولايات المتحدة لا يمكن إلا أن تكون دولة عظمى.

كما أن من المستبعد أن يدوم هذا التوقف لفترة طويلة، فذلك لا يؤثر سلباً على الولايات المتحدة وحدها، وإنما على المنظومة الدولية التي ترتبط بوشائج لا حصر لها معها في الشؤون المالية والاقتصادية والسياسية والفكرية والعلمية والبيئية.

ajamal@emirates.net.ae