الولايات المتحدة هذا اليوم أمام مفترق طرق بين الجمهوريين والديمقراطيين.. وسيتوقف هذا اليوم التاريخ العالمي مجرد لحظات ليس عن عمله في كل الوجود، بل ليشهد العالم كله أجمل لعبة أميركية تؤدي على المسرح أمام الملايين من البشر.. صحيح أنها تعبير واضح عن الديمقراطية التي سماها الأميركيون بأنفسهم عن أنفسهم، منذ زمن طويل: إنها آلة تعمل من تلقاء نفسها.. ولكن يبقى منصب الرئيس في اكبر دولة في العالم يعني الكثير ليس للولايات المتحدة نفسها، بل للعالم كله..

وخصوصا أولئك الذين يتأثرون بخطط واستراتيجيات الولايات المتحدة الأميركية من النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية.. إن كل دورة انتخابية عامة تمر في أميركا، يدخل العالم كله نفسه في حالة إنذار لمعرفة من سيتولى إدارة هذا الذي لم يعد يؤثر فقط في العالم، بل بيده مصير العالم.

إن الصراع بين جون ماكين وباراك أوباما، كما يبدو إلى حد الآن إعلامياً، كان اكبر صراع بين إرادتين اثنتين، لا يمكنها أن تنحصر بين جمهوريين أو ديمقراطيين، بل إنها أكبر من ذلك بكثير، إنها إرادة تحديات بين من يريد أوباما ولا يريد جون ماكين وبين محافظين جدد وبين ديمقراطيين جدد.. بين من يقبل بالمتغيرات وبين من لم يقبل بها.. بين تاريخ من التقاليد الأميركية الموروثة وبين من يرفض ذلك التاريخ.. بين من يقبل بالدم الأميركي وبين من يقبل بتعدد العناصر.. إن الصراع لم يبق حتى اليوم سياسيا، بل دخلته عوامل جديدة منها اجتماعية وأخلاقية لتوضيح حقيقة ما يقال للعالم وما يريده الشعب الأميركي نفسه على أرض الواقع؟

يقول ريك ديفس مؤكداً، وهو مدير حملة المرشح الجمهوري للبيت الأبيض جون ماكين، إن فوز سناتور أريزونا في الانتخابات الرئاسية هو في متناول اليد، وذلك في رسالة الكترونية إلى حوالي خمسة ملايين شخص من أنصار الجمهوريين.

واستطرد يقول: «إذا كنتم تشاهدون مثلنا في المقر العام للحملة (الجمهورية)، المحطات التلفزيونية الإخبارية فإنكم سمعتم المحللين يقولون إن ماكين وحملته قد انهارا». وأضاف: «إذا كنتم تتابعون السباق إلى البيت الأبيض منذ البداية فإنكم قد سمعتم أصلاً هذا الأمر» قبل أن يشكك في استطلاعات الرأي. وأوضح أن ناخباً من أصل سبعة لم يحسم أمره بعد.

وقال أيضاً: «هذا يعني انه في حال صوت 130 مليون شخص الثلاثاء فإن 5,18 مليونا سيتخذون قرارهم في اللحظة الأخيرة». وأضاف: «أعتقد أننا سنكون في سباق تنافسي جدا». مؤكدا بقوله: «نعتقد أننا سنربح الانتخابات».

وسواء ربح جون ماكين على أيدي الملايين الصامتة أم خسر الجولة، فإنني أعتقد أن التاريخ سيسجل لأول مرة صعود شاب اسود اسمه باراك أوباما وصل إلى قمة التحدي، وقال للعالم: هآنذا صوتوا لي، بل وقال للملايين الصامتة: هل تريدون أن تكونوا ديمقراطيين حقيقيين نظرية وتطبيقاً، أم لا؟

أما جون سيدني ماكين الثالث الذي يكبر أوباما بـ 25 سنة (ولد 29 أغسطس 1936)، فهو ليس من الساسة الأميركيين اللامعين، صحيح انه عضو مجلس النواب عن ولاية أريزونا،.

ولكنه رشّح عن الحزب الجمهوري لملء فراغ تاريخي لا أكثر ولا أقل، عارضاً تاريخه الشخصي أمام الناس، كونه احد المشاركين في حرب فيتنام مقابل كاريزما أوباما وثقافته السياسية! انه قائد عسكري قبل أن يكون رمزا سياسيا، فلقد انحدر من أب وجد كانا أميري بحر في الولايات المتحدة..

ومضى ليكمل دراسته في أكاديمية البحرية الأميركية في ميريلاند حسب تقاليد عائلته.. ولم يكن هذا الرجل لامعاً أو ألمعياً في دراساته الأكاديمية، إذ تخرج في المرتبة ال-894 من بين 899 طالباً. ولكن ما جعله يتقّدم على غيره انه يمتلك سيرة بطولية اميركية في حرب فيتنام، وان قصته فيها تصلح أن تكون فيلما من افلام هوليوود لمغامرات تلك الحرب.

لقد تخرج عام 1958، وتعلم الطيران، وأصبح طياراً عام 1960، ولم يولد أوباما بعد. وتمّ إرساله إلى حرب فيتنام عام 1967، ليقود طائرات «سكايهوك A-4».

عندما كان على متن حاملة طائرات في خليج تونكين، نجا من الموت في كارثة أسفرت عن مقتل 134 جنديا آخر.. كما سقطت طائرته في بحيرة، ونجا من الموت ثانية، واسر وتعّرض للتعذيب من قبل الفيتناميين، ثم عولج وعزل لسنتين.. ثم عاد للخدمة ليضع على صدره بعض الأوسمة والنياشين التي لم يعرفها أوباما!

إن الناس في الشرق الأوسط، لم تعد تهمهم كثيرا قضية الانتخابات الأميركية، ومن سيفوز هذا الجمهوري أم ذاك الديمقراطي، ذلك أن الاستراتيجية الأميركية تكاد تكون هي الحد الفاصل بين ما يمكن عمله وما لا يمكن حتى النظر فيه.. صحيح أن جون ماكين من أبرز المؤيدين للحرب على العراق ثمنا لصعوده السياسي.

وقام بزيارة مفاجئة للعراق، وانه زار إسرائيل، وأيد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وهي خطوة لم يشأ المجتمع الدولي أبداً الإقدام عليها، وانه أعلن دعمه الكامل لإسرائيل في مواجهة إيران.. فإن أوباما لا يقل عنه التزاما بما تنص عليه الأسس الخفية للاستراتيجية الأميركية، سواء اختلفت ايديولوجيته مع جون ماكين أم اتفقت؟ دعونا نرى من ستقرر مصيره الملايين الصامتة حتى الآن.

مؤرخ عراقي

ww.sayyaraljamil.com