الآن بدأت البنوك التفكير في ضبط واقع سوقها الائتماني وعلاقتها بالزبائن، ومن يستحق أن يملك بطاقة ائتمانية ومن لا يستحق، ومن يتم ضمان استعداده لدفع الأقساط والفوائد من دون انقطاع ومن لا يستطيع.. الآن فقط تنبهت البنوك إلى التفكير في مسألة الأفراد والزبائن والحدود الائتمانية، أما قبل هذا فقد كان أسلوبها عكس هذا الوضع تماماً، فقد كانت البنوك تجيش موظفيها وتنشرهم في أماكن العمل والأسواق والشوارع وأماكن السكن لاصطياد العملاء ودفعهم إلى تسهيلاتها الائتمانية بأقل الشروط، بل وصل الحال إلى أن البنوك لم يسلم من إغوائها «اللي عنده واللي ما عنده»..

فذهبت تعطي بلا حدود، لدرجة أن المسألة وصلت إلى حد بروز ظواهر عجيبة وغريبة ومنها المضحك المبكي أيضاً.. وأذكركم فقط بالمواطن المتقاعد البسيط و«اللي عنده كوم من الأولاد» ما شاء الله.. وهو رجل ستيني وراتبه بسيط؛ اضطر لرفع دعوى على مجموعة بنوك لأنها ورطته في أكثر من 11 بطاقة ائتمانية! ووصل به الحال إلى أن تحوَّل راتبه إلى أقساط شهرية لذلك العدد المجنون من بطاقات الفيزا!

الأزمة المالية العالمية، وأزمة الائتمان بالذات يبدو أنها أخيراً «صحصحت» عقول البنوك لتبدأ التفكير في ضبط عملية التسهيلات، ولمن تمنح.. والسؤال عن ضمانات السداد.. هذا جيد ومهم وكان يجب أن يحدث في السابق مع وجود أزمة عالمية، أو من دونها، لكن الطمع والجشع والسباق المجنون بينها من أجل ترويج الخدمات، واستغلال حاجة البسطاء من الناس، جعلت البنوك لا تفكر في الخط المستقيم.

من منكم لم يطارده أكثر من مندوب بنك لمنحه بطاقة ائتمانية وهو في مكانه دون حركة أو حتى إشارة؟ ومن منكم من لم يقع في دائرة صراع بين بنكين أو ثلاثة، كل منها يجذبك من طرف إليه؟

هذا حدث، وصار مندوبو البنوك «اللي يروجون للخدمات الائتمانية» أكثر من موظفي البنك الجالسين خلف «كونتراته». منذ سنين والبنوك «مستخفة» من أجل جلب الزبائن والتصارع عليهم لدرجة صار معها الحصول على البطاقة أسرع من ارتشاف فنجان شاي «سنكيني»! والبطاقة للذي يستطيع الالتزام بشروطها والذي لا يستطيع على حد سواء، وصار لا يهم إذا كانت لديك التزامات مالية مع بنوك أخرى، أو أنك مكبل من يديك ورجليك بالقروض، وصارت لا تهم سيرتك الاقتراضية إذا ما كانت صفرا أو ممتازة.. الكل يحصل على بطاقات، و«انترست ابواك الناس» من البطاقات..

على الطاري

ضربني واشتكى.. اليوم يدق تجار التسهيلات الائتمانية رؤوسهم على أسطح مكاتبهم آسفين على الفوضى التي ارتكبوها.. وعلى أسلوبهم في جلب المزيد من الزبائن، وصارت «السالفة» كيف نحمي أنفسنا وبطاقاتنا منهم! و«هم يعني مثلي ومثلك وغيرنا».. وصار مطلوباً تدخل الحكومة لحماية البنوك، وصار مطلوباً وضع التسهيلات في قفص حديدي والمحافظة عليها.. «يعني الزبون اللي ركضوا وراه» سابقاً صار هو المتهم، وصاروا هم «العنز المربوطة اللي مالها خص»!

mhalyan@albayan.ae