في الوقت الذي يتوالى الهجوم على الإسلام في الغرب، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية، يزداد الاهتمام الروسي بالإسلام، ولا يمر شهر واحد دون انطلاق فعالية إسلامية كبيرة في روسيا تتبناها الدولة وتنفق عليها.
فبالأمس القريب افتتح في جمهورية الشيشان أكبر مسجد في الشرق والذي يتسع لأكثر من عشرين ألف فرد وذلك بنفقات من الحكومة الروسية، كما يعد الآن لانطلاق فوج الحجاج الروس لأداء فريضة الحج، والذي يزيد عددهم على عشرين ألف حاج على نفقة الدولة وتعد لهم طائرات ومطارات خاصة لانطلاقهم.
ربما لا يتسع المجال هنا لذكر العديد من الفعاليات الإسلامية التي تجرى في روسيا الاتحادية التي تضم بين مواطنيها أكثر من ثلاثين مليون مسلم مواطنون روس، بخلاف غيرهم من الأجانب المسلمين المقيمين في روسيا للعمل أو الدراسة ويزيد عددهم على مليونين، ويوجد في العاصمة الروسية موسكو وحدها نحو مليون ونصف مليون مسلم وعشرات المساجد من بينها مسجدان كبيران تابعان للدولة والباقي تابع لجهات وجمعيات إسلامية.
وقد سبق أن واجه فلاديمير بوتين عندما كان رئيسا للدولة سؤالا من أحد الصحفيين قال له فيه «ألا تخشون من نمو عدد ونشاط المسلمين في روسيا؟»، ورد عليه بوتين قائلا «لا تنس أنك تتكلم عن مواطنين روس وليس عن أجانب، وممارسة الأديان والعقائد في روسيا مباح للجميع بدون قيود».
لقد سبق أن اتهمت بعض الجماعات المتطرفة من اليهود والمسيحيين الكاثوليك في روسيا الكنيسة الروسية الأرثوذكسية بميولها الإسلامية وتقاربها مع المسلمين أكثر من تقاربها مع باقي الطوائف المسيحية الأخرى، ورد عليهم بطريرك الكنيسة الروسية أليكسي الثاني قائلا «إن الإسلام والمسيحية عاشا معا في روسيا منذ أكثر من عشرة قرون مضت في ود ومحبة، ولم يقصر المسلمون الروس في بناء الدولة الروسية ولا في الدفاع عن الوطن في الحروب، فلماذا لا نكون الآن أصدقاء؟».
يأتي هذا الحديث الآن على هامش اللقاء الإسلامي الذي انعقد منذ أيام في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية في إطار ما يسمى «مجموعة الرؤية الإستراتيجية روسيا ؟ العالم الإسلامي» لبحث العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي.
وقد ندد المشاركون في الاجتماع بموقف الجهات التي ترى دوافع دينية وراء الكثير من الصراعات العرقية والسياسية والعسكرية. وقال رئيس الوفد الروسي منتمير شايمييف في هذا الصدد إنه يحمد الله لأن العالم الإسلامي ليس متهما، على الأقل، بإثارة الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد العالمي الآن.
وكانت دعوة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى ضرورة تطوير حوار الأديان والحضارات في صدارة المواضيع المطروحة على طاولة مداولات المشاركين في الاجتماع الرابع للمجموعة في جدة، وقد انعقدت عدة مؤتمرات واجتماعات دولية تلبية لدعوة من العاهل السعودي.
وحرص كثيرون من المشاركين في الاجتماع المنعقد في جدة على الاستشهاد بقول الملك عبدالله إن الإنسان يستطيع أن يدمر كوكبنا الأرض ولكنه يستطيع أيضا أن يجعل الأرض واحة مزدهرة للسلام، بمعنى أن الإنسان هو الذي يعمل الخير أو ما هو غير مستحب بمشيئته وليس الحضارة التي ينتمي إليها.
ومن جانبه قال الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف في رسالة تحية بعث بها إلى المجتمعين في جدة إنه واثق من أن التعاون بين روسيا والعالم الإسلامي يمثل إسهاما هاما في جهود إنشاء نظام دولي عادل يرفض استخدام القوة لتسوية المشكلات.
وعبر المشاركون في الاجتماع الرابع لمجموعة الرؤية الإستراتيجية عن تأييدهم لمبادرة الملك عبدالله بن عبد العزيز الذي دعا إلى عقد مؤتمر «حوار الأديان والحضارات» في الأمم المتحدة. كما عبروا عن تأييدهم لدعوة أطلقتها روسيا لإنشاء مجلس استشاري للأديان في الأمم المتحدة.
كاتب ومحلل سياسي روسي