شهد مطلع شهر أكتوبر المنصرم أعمال عنف ذات طابع إرهابي جرى تحميل مسؤوليتها لحزب العمال الكردستاني الذي يناضل ضد الدولة المركزية منذ 42 سنة وحيث أدّت المواجهات إلى حوالي 44000 قتيل.

وكان الهجوم الذي قام به يوم 4 أكتوبر350 من المقاتلين الأكراد ضد موقع عسكري تركي متقدّم على تخوم الحدود التركية ـ العراقية ـ الإيرانية قد أوقع 17 قتيلاً بين الجنود الأتراك؛ أي أكثر مما أوقعه الهجوم المماثل في أكتوبر 2007 والذي أعقبه رد الجيش التركي في فبراير التالي بعملية في شمال العراق. وتواترت أيضاً في الفترة الأخيرة تفجيرات ضد حافلات وغيرها.

هذه الأحداث مقلقة جداً. ومن المعروف أن تركيا تعيش منذ شهور عديدة أزمة سياسية ضاغطة خلقت استقطابا خطيرا بين مختلف القوى الاجتماعية.قادة حزب العمال الكردستاني فهموا ذلك جيدا ويحاولون الاستفادة،كعادتهم، من هذا الوضع المضطرب لنشر استراتيجية تقوم على زيادة التوتر.

هذا التواتر في العمليات العسكرية يأتي أيضاً في لحظة يجد الممثلون الشرعيون للنزعة القومية الكردية، مجسّدة في حزب المجتمع الديمقراطي، أنفسهم أمام الطريق المسدود. ذلك أن هذا الحزب يواجه تهديد منعه من قبل المحكمة الدستورية وهذا ما سوف تُعرف نتيجته خلال الأسابيع المقبلة.

ثم إن نوّاب هذا الحزب العشرين في البرلمان منذ ما يزيد عن السنة لم يبرهنوا على إرادتهم في إيجاد حلول إيجابية للمسألة الكردية ويرفضون كذلك أن يدينوا بوضوح الأعمال الإرهابية لحزب العمال الكردستاني مما يساهم في زيادة تسميم الأجواء.مع ذلك لن يؤدي احتمال منع نشاط حزب المجتمع الديمقراطي إلى أي شيء حتى لو كانت الضغوط كبيرة في هذا الاتجاه لدى قسم من الرأي العام ممن لم يعودوا يفهمون وجود حزب في البرلمان لا يدين بحزم أعمال حزب العمال الكردستاني.

وهناك عامل يزيد من حساسية الوضع هو أن الأحزاب السياسية التركية قد بدأت التحضير للانتخابات البلدية التي ستجري في شهر مارس القادم. ويتمثّل أحد الرهانات بالنسبة للحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، في الفوز بالمدن في جنوب شرق البلاد حيث تتواجد نسبة كبيرة من الأكراد وحيث يهيمن حاليا حزب المجتمع الديمقراطي.

هكذا إذا فاز حزب العدالة والتنمية في مدن مثل باتمان ودياربكر سيكون الأمر هزيمة سياسية شديدة الأهمية بالنسبة لحزب المجتمع الديمقراطي وبالتالي للتمثيل السياسي للحركة القومية الكردية.

أمّا حزب العمال الكردستاني الذي يمارس لعبة زيادة التوتر فقد تؤدي خياراته إلى المساس بحزب المجتمع الديمقراطي. لكن ليست هذه هي المرّة الأولى الذي يفعل فيها ذلك من أجل الاستمرار في البقاء. وهو يؤكد من جديد بمثل هذه القرارات استراتيجيته الانتحارية وأنه يحافظ على احتكار النزعة القومية الكردية في تركيا.

وأخيراً وليس آخر ينبغي أيضاً القلق من تكاثر الصدامات العنيفة في مدن الأناضول بين القوميين الأتراك والأكراد. هكذا أدّت الصدامات في التينوفا، غرب البلاد، إلى مقتل شخصين وتخريب متاجر تعود لمواطنين أتراك من أصل كردي. لا شك أن هذه الأفعال لا تزال معزولة لكن من المعروف أنها تنعش المشاعر القومية اللاتينية وتفلت سريعا من السيطرة، خاصة إن المتطرفين الأتراك والأكراد يجدون للأسف مصلحتهم فيها.

في مثل هذا السياق مدد البرلمانيون الأتراك يوم 7 أكتوبر الماضي بأغلبية 511 صوتا مقابل 18 صوتا لسنة إضافية الاذن الممنوح للمؤسسة العسكرية من أجل القيام بعمليات عسكرية في شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني.

كما أن قيادة الأركان طلبت سلطات أكبر لمزيد من الفعالية في نضالها ضد هذا الحزب، وخاصة إقامة منطقة عازلة على طول الحدود العراقية بغية منع عمليات تسلل المجموعات الفدائية الكردية. وطالبت أيضاً بحق القيام بعمليات تفتيش دون إذن النيابة العامّة وزيادة مدّة السجن المؤقت.

الديمقراطيون الأتراك يبدون خشيتهم من أن يؤدي النضال الضروري ضد الإرهاب إلى تقليص الحريّات السياسية الفردية والجماعية التي كانت قد زادت بالفعل خلال السنوات الأخيرة. هذا لاسيما أنه يمكن التساؤل المشروع عن الفعالية الحقيقية للمؤسسة العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني. والعديد من المراقبين يرون أنه من الأفضل أن ينكبّ الجيش على هذه المعركة ولا يتدخّل في كل شاردة وواردة في الحياة السياسية الداخلية.

لكن ما هو أهم موجود في مكان آخر إذ من الخطأ اعتبار أنه يمكن محاربة فعّالة لمنظمة مثل حزب العمال الكردستاني بالوسائل العسكرية فقط؛ فجميع العمليات الأخيرة التي قامت بها تبيّن ضآلة فعالية العملية العسكرية الواسعة التي قام بها الجيش التركي في شهر فبراير الماضي. إن النضال ضد الإرهاب، كي يكون فعّالا، ينبغي أن يجمع بين العمل البوليسي والاستخباراتي والتغلغل في صفوف الخصم وخاصة عدم نسيان الأبعاد الاقتصادية والسياسية. هذا يتطلّب إذن سياسة تنمية اقتصادية لجنوب شرق تركيا حيث يخيّم البؤس وغياب الأفق المفتوح أمام الشباب مما يسهّل للأسف عمل من يسعون لتجنيد الإرهابيين.

وينبغي أيضا، وحتى لو كان ذلك في غاية التعقيد، توسيع إطار الحقوق الثقافية لهذه الفئة من المواطنين الأتراك التي ترغب الحديث بلغتها وترى بها جزءا من هويتها. ولماذا لا يتم أيضاً وضمن شروط محددة وقانونية العفو عن بعض المناضلين السابقين في حزب العمال الكردستاني الذين قطعوا تماماً مع الإرهاب.

المسألة الكردية لا يمكن اختزالها لبعدها الإرهابي فقط، ومن الخطأ اعتبار أن حل هذه المشكلة الشائكة لن يكون ممكناً بغير القمع. إن الطبقة السياسية التركية هي أمام تحدٍ كبيرٍ وعليها أن تبرهن على أنها تتسم بالمخيلة والحزم من أجل مواجهته.

كاتب ومحلل سياسي فرنسي

opinion@albayan.ae