تمخضت الزيارة التي قام بها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان إلى إيران بتوقيع مذكرة تفاهم بشأن إنشاء لجنة مشتركة بين البلدين، وقد يبدو أن الأمر طبيعي، ولكن بعد نظر البلدين الموقعتين على هذه المذكرة أبعد من ذلك بكثير.

في حقيقة الأمر، فإنه منذ قضية احتلال إيران للجزر الإماراتية إلى اليوم لم نجد ما يشوب العلاقات بين الإمارات وإيران. ولم تتدخل أي من الدولتين في شؤون الأخرى، واستمرت دولة الإمارات منذ أكثر من 37 عاما على المطالبة باسترداد الجزر بالطرق السلمية والمفاوضات والحوار، ولم تصل مطلقا إلى المساس بأسس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ولا إلى الباب المسدود. بالطبع، يرد الكثيرون تلك السياسة إلى النهج الذي اختارته دولتنا في تعاملها مع الآخر.

لأنها تؤمن بأن الحدة والمهاترات والتصريحات غير المسؤولة والعنف وقطع العلاقات الدبلوماسية والحروب والقوة لا ترد الحقوق دائما، بل قد تضر بها.

وزيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لدولة الإمارات العربية المتحدة في شهر مايو 2007 كان تأكيدا على رغبة الطرفين في تقوية أواصر العلاقات فيما بينهما وإمكانية حل أي خلاف آخر بالطرق السلمية.

المنطقة شهدت منذ سقوط الشاه ونجاح الثورة في إيران قبل 30 عاما تقريبا عدة أحداث كادت أن تودي بمستقبلها. وكلها كانت أحداثا من الخطورة بمكان، بدأت بالحرب العراقية الإيرانية والتي وجدت المنطقة وبالخصوص الدول التي تقع على شواطئ الخليج نفسها مضطرة للانضمام إلى معسكر أحد الطرفين، حيث كان من المستحيل الخروج من اللعبة.

وقد أمدت المنطقة العراق أثناء نظام صدام حسين السابق بكل ما تملك لتجنب العراق من أن تخسر الحرب، وكتمت إيران حقدها لمعرفتها بأن المنطقة بأسرها ليس لديها ما تفعله في ذلك الوقت غير ذلك، ثم انتهت الحرب العراقية الإيرانية بلا غالب ولا مغلوب، كعادة جميع الحروب في العالم، وكان على سكان الخليج أن يشاركوا في إعادة بناء ما خلفته تلك الحرب التي أطلق عليها حرب الخليج الأولى والتي استمرت زهاء 8 سنوات (1980 - 1988) والتي خلفت أكثر من مليون قتيل وكلفت أكثر من تريليون دولار أميركي، كلها راحت أدراج الرياح.

بعد ذلك بقليل اندلعت حرب أخرى تمثلت في غزو الكويت من قبل جارتها. وجاءت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها بكل عتادهم وأسلحتهم المتطورة لإخراج العراق بالقوة وتلاه إسقاط نظام الحكم برئاسة صدام حسين في العراق والذي نتج عنه وجود فراغ في الحكم ودولة مهدمة وشعب جائع أو مشرد انتهى باحتلاله من قبل أعظم دولة في العالم.

واختلط الحابل بالنابل، وكأن العراق أصبح جملا مذبوحا والكل كان يريد أن ينهش من لحمه طالما دمه مازال حارا ينزف، ولم تقف المسائل عند دور المقاومة ضد الاحتلال، فقد تدخلت أطراف عدة لتصفية حساباتها القديمة على أرض العراق وعلى رأسها إيران.

واستغلت إيران تورط الولايات المتحدة في حرب العراق لكي تزيد الأمور تعقيدا عليها ولتؤكد بأنها تمسك بخيوط نجاح أو فشل الاحتلال هناك. واعترفت الدولة العظمي وهي منهكة بأنه لا بد من إشراك إيران في البحث عن حل لأزمتها في العراق. ثم جاءت حرب إسرائيل على لبنان عام 2006 ضمن مخطط الشرق الأوسط الكبير، وهنا أيضا كان لإيران دور خطير وكبير فيها أكد على أن جمهورية إيران الإسلامية لم تعد تلك الدولة المحاصرة والمنهكة أو الخائفة وأنه يجب أن يحسب لها ألف حساب بعد اليوم.

والحقيقة أن إيران لم يكن لها من خيار آخر. فهي تعتقد بأن الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا تخطط لمحاصرتها. وكان طبيعيا أن تشرع إيران قبل فوات الأوان في بناء برنامجها النووي، ومن حسن حظها أن تزامن ذلك مع انحسار دور الولايات المتحدة الأميركية في العالم نتيجة خسائرها الاقتصادية والمادية والبشرية في العراق فأكل الدود في اقتصادها ومصارفها .

وبدأت تعيش حالة من الذعر لم تشهده أميركا من قبل، ورأى البعض بأن إيران والقاعدة ورطتا أميركا في حرب استنزاف طويلة الأمد لم يحسب حسابها بعد أن اعتقدت الولايات المتحدة وحلفاؤها بأنها حرب لن تطول لأكثر من عام، وفسرها البعض الآخر بأنه ثاني هدف تسجله إيران في مرمى شباك الولايات المتحدة الأميركية بعد أن أفشلت مخطط الشرق الأوسط الكبير من خلال الحرب التي شنتها إسرائيل في لبنان بهدف القضاء على حزب الله ومحاصرة سوريا وإضعاف نفوذ إيران في شمال إسرائيل وبالتالي فرض هيمنتها على الشرق الأوسط برمته.

وهكذا تأكد لدول المنطقة بأن خير وسيلة لتوفير الاستقرار في المنطقة التي أصبحت محط أطماع الجميع لما تزخر به من نفط ومن اقتصاد متين هو التعايش السلمي مع كل من يحيط بها بالدرجة الأولى. صحيح قد لا نتفق مع إيران على كل الخطوط وكل السياسات المرسومة إلا أننا لا نستطيع بأي حال من الأحوال تجاهل وجودها على مقربة وأهميتها الإقليمية..

وليس أدل على ذلك من رفض دول أوروبا السير خلف الولايات المتحدة في كيفية التعامل مع ملف إيران النووي. بل ان حتى سياسة باراك أوباما مرشح الحزب الديمقراطي لرئاسة البيت الأبيض والذي يبدو أنه يتقدم بخطى ثابتة على منافسة جون ماكين تسير في نفس السياق: المهادنة مع جمهورية إيران الإسلامية والتعامل معها بدبلوماسية وحذر.

إن زيارة الرئيس الإيراني قبل سنة ونصف إلى الإمارات وزيارة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان إلى إيران وتوقيع مذكرة التفاهم الأخيرة بشأن اللجنة المشتركة تدل على مدى عقلانية سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة الخارجية والتي وضع أسسها باني دولتنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، والقائمة على ثلاث قواعد: الحكمة وبعد النظر واحترام الجار.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com