كثيرة هي الكتب التي نقرأها في حياتنا القصيرة، وقليلة هي الكلمات التي تبقى في ذاكرتنا لنحملها معنا في رحلة الحياة المليئة بالتجارب والمغامرات الإنسانية. وأحياناً، يقرأ المرء كتابا فلا يفقه منه شيئاً، ولكنّه يستمر بقراءته علّه يجد فيه ما يعوّضه عن نقوده أو عن وقته الذي أضاعه في قراءته.
ولقد اتّسمت اللغة العربية بأنها لغة الإسهاب والإطالة، ولكنها في نفس الوقت، لغة الجزل والمعنى الدقيق. وأذكر مرّة أنني كنت أتحدث إلى أحد أصدقائي الذين يكتبون مقالات بالعربية وبالإنجليزية، فسألته عن الفرق بين التجربتين، فقال لي بأن ما يكتبه في صفحة بالعربية يمكنه اختصاره في جملة واحدة بالإنجليزية.
فخالفته الرأي وقلت له إننا نحن الذين لم نُجِد العربية ولم نتعمّق بها حتى نعرف خصائصها ونتمكّن من كبح جماحها إن هي استرسلت بأقلامنا، فمن يقرأ اللغة العربية في مختلف عصورها ومراحلها التي مرت بها، يجد أنها تماشت فيها مع حاجة كل عصر، وكان أبرزها عصر صلاح الدين الذي اشتهر فيه القاضي الفاضل بالسجع والجناس والطباق وغير ذلك من فنون اللغة التي كانت ضرورية في ذلك الوقت لإيصال الفكرة بالصورة الصحيحة.
أما حديثاً، فلقد كانت فترة نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين فترة حيويّة استقت من القاضي الفاضل جناسه وطباقه، ثم بدأت اللغة تنحى تجاه التبسيط في اللفظ والتفصيل في الصورة. فلقد أغرق المنفلوطي وتوفيق الحكيم في استخدام المفردة ومرادفاتها، ونالا من فنون اللغة الشيء الكثير، ثم أتى الزيّات وطه حسين ثم تبعهم نجيب محفوظ، فخففوا الوطء على القارئ، واستخدموا كلمات بسيطة ولكنّهم تعمقوا في رسم الصورة، فكان لكل منهم نصيب من الإبداع.
إلا أن النص العربي أخذ مؤخراً يتعثّر مع العقبات التي تواجه اللغة العربية، ولست ناقداً أدبياً لأتحدث عن هذا الموضوع كثيراً، ولكن، أصبح عدد كبير من الكتّاب العرب يدورون حول الموضوع بكلمات منمّقة حين يريدون رسم صورة واضحة للقارئ، ثم يرسمون صورة مشوّهة عندما تكون الحاجة لاستخدام فنون اللغة ملحّة، فلا هم أبرزوا بلاغة اللغة، ولا هم أوصلوا الصورة واضحة للقارئ المسكين، فيفقد شغف القراءة ويتركها للنخبة فقط.
ولكي أكون أكثر وضوحاً، فلا بأس من الاستشهاد بما كتبه (الصادق النيهوم) عندما تحدّث عن أهمية الصورة في النص، والتي كما يعتقد، تفوق أهمية الكلمة وفنون اللغة. حيث ذكر مثالاً مقتبساً من رواية «لمن تقرع الأجراس» للكاتب العالمي (همنجواي) حيث يقول النص الذي يصف حالة التوتر بين جنديين:وكان الهدوء يخيّم على الكهف كلّه حتى أنه استطاع أن يسمع اشتعال الحطب في النار حيث تواصل بيلار الطهي، وسمع صوت الجليد يصرّ تحت قدميه..
وخيّل إليه أيضاً أنه في وسعه أن يسمع صوت الريح في الخارج وصوت سقوط الثلج ثم يقوم النيهوم بتغيير النص ولكن باستخدام نفس الكلمات، فيقول: وتوترت أعصاب الخصمين، وكانت بيلار تطهو الطعام، والريح تعوي في الخارج، والثلج يسقط.
لاشك أن الفارق كبير، ففي المثال الأول كانت الصورة هي المسيطرة، أما في المثال الثاني فلقد عُدِمت الصورة وحلت محلّها الكلمة التي تجرّدت من جميع الأحاسيس والمعاني لأنها خلت من الصورة. ولهذا السبب.
فإنني أعتقد بأن نصوصنا التي تكتب اليوم في حاجة ملحّة إلى التركيز على الصورة لتجنب القارئ عذابات البحث في المعاجم عن المعاني والألفاظ، بل إننا إن أردنا أن نشاطر العالم رواياتنا وكتبنا فإنه علينا أن نكون أكثر اختصاراً وتركيزاً فيما نريد أن نقول.
عندما نسمع خطيباً يتلفّظ بكلمات مقعّرة، حفظها ولا شك من كتب البلاغة، ولا نفهم منها شيئاً، فإننا نقول عنه بأنه خطيب مفوّه. وإذا قرأنا نصّا معقّدا، يتداول فيه الجناس والسجع والطباق والكنايات وغير ذلك من فنون، فإننا نقول عنه بأنّه نصّ فلسفي، ثم نفرح لأننا قرأنا شيئاً لم نفهمه!
إن الهدف الرئيسي من الكتابة هو إيصال معلومة أو فكرة ما إلى القارئ، والهدف الرئيسي من القراءة هو الوصول إلى معلومة أو فكرة جديدة، وإذا اتّفقنا على هذا الهدف، فلابد أن نتفق على حاجتنا لنصوص عربية ترسم الصورة وتبني الفكرة في خيال القارئ أو إدراكه.
دون أن تدخله في دهاليز اللغة التي لا يدركها إلا المختصون. لا يعني هذا أن نهبط بمستوى اللغة العربية، ولكن، لا يعني كذلك أن نصعد بها إلى حد النخبوية، فيلجأ الجيل الجديد إلى قراءة الكتابات الإنجليزية التي «يدّعي» الكثير بأنها أكثر سلاسة وأسهل معنى.
قرأت مرة كتاباً ترجمه أحد الأساتذة العرب الكبار من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية، وكان الكتاب عبارة عن رواية للأطفال كتبها أحد الروائيين الألمان ولكن بصورة مشوّقة ومفهومة للصغار، إلا أن النص العربي لم يكن يصلح إلا (لمثقفين من العيار الثقيل) ولم يكن للأطفال نصيب فيه.
كنت واقفاً قبل أيام في أحد أجنحة الناشرين العرب في معرض الشارقة للكتاب، وكان أحد الزوّار يقلّب الكتب وينقّب بينها، ثم سأل البائع: «أرني الكتب الممنوعة» فقال البائع: «تقصد كتب الجنس!» فرد الزائر: «أعوذ بالله يا رجل، بل كتب السياسة» فضحكت وسألته عن السبب، فقال: «لأنها الكتب الوحيدة التي نفهمها».
كاتب إماراتي: yasser.hareb@gmail.com