شأنهم شأن بقية الخلق، انخرط الفلسطينيون في حديث الأزمة المالية الذي ملأ الدنيا مؤخراً وشغل الناس. ولأن الأزمة بدت من القوة والتعقيد والشمول بحيث قيل إن كياناً من الكيانات الدولية لن ينجو من توابعها، فقد وضع الفلسطينيون أيديهم على قلوبهم وجيوبهم وراحوا يتحسسون أوضاعهم الاقتصادية والمالية.
بعد الفحص والاستطلاع والتحري، تأكد المختصون وأهل الذكر من هشاشة تأثير الأزمة على هذه الأوضاع، بالنظر إلى أن «فلسطين ليست مرتبطة بالأسواق أو البنوك الدولية، وإيداعاتها ومعاملاتها المالية موجودة في أسواق قريبة تضطلع بأنشطة محدودة ».
ضمن خطاب الطمأنة وتطييب خواطر المهتاجة المتوجسة ذهب سمير عبد الله وزير التخطيط الفلسطيني وعدد من رجال البنوك الفلسطينيين إلى ان «الاقتصاد الفلسطيني ضعيف ومتآكل أصلاً وليس لديه ما يخسره على صعد الاستثمار والتجارة وأسواق المال..» .
مؤدى ذلك جدلا أن هامشية الاقتصاد الفلسطيني وضموره ومراوحته في إطار المحلية المفرطة وقلة حيلته ومحدودية انتشاره إقليميا ودولياً، من العوامل التي رشحته للإفلات من حبائل أزمة مالية ذات طبيعية أخطبوطية عالمية.
وهذه مفارقة تستحق التأمل، إذ كيف يكون الضعف والانكماش سبيلاً للنجاة في أحوال الأزمات؟.ان وضعية كهذه قد تدفع قصار النظر للوقوع أسرى رؤية ظاهرها الرحمة وباطنها فيه العذاب، تدعو للاعتكاف وعدم الانغماس في غمار الاقتصاد الدولي، أو حتى الإقليمي، للوقاية من «شرور» الأزمات الطارئة ومباغتاتها المدمرة!.
المنطق يقول إن تفكيراً كهذا لا ينطوي على تشخيص أو تحليل صحيح.. فلا الاقتصاد الفلسطيني ضعيف بالطبيعة والفطرة، ولا ضعفه أو عزلته، لو كان كذلك، باللذين ينجيانه من جرائر الأزمات الإقليمية أو الدولية من حوله، ثم إن قدرة كيان ما على العزلة والاكتفاء الذاتي في عالمنا الراهن أمر محفوف بالشكوك.
الأمر وما فيه أن الاقتصاد الفلسطيني محجوب عن العالم خارجياً ومعرض للتآكل داخلياً بقوة الاحتلال الإسرائيلي وممارساته وقبضته الآخذة برقبة كل مكونات الحقيقة الفلسطينية ومفرداتها.الاحتلال هو كلمة السر في هشاشة فلسطين اقتصادياً ومالياً. إن عالم المال والأعمال والاستثمار لا ينتعش في ميادين الرماية. والاحتلال وما اتصل به وتمخض عنه جعل من فلسطين واحداً من أكثر هذه الميادين شهرة وديمومة.
من الشهادات الطازجة على صحة هذا التوصيف تقرير صدر عن مؤتمر التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة (اونكتاد) في 8 أكتوبر الجاري جاء فيه حرفياً «إن تمتع الشعب الفلسطيني بالرخاء الاقتصادي لا يتأتيإلا بزوال الاحتلال، الذي لا يوفر لصناع القرار في السلطة الفلسطينية المجموعة الكاملة من أدوات السياسات المالية والنقدية والتجارية والتوظيفية المتاحة للدول..».
وبعد أن يرسم التقرير صورة قائمة للأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الأراضي الفلسطينية، مشيراً إلى خسائر الناتج المحلي وعجزه عن النمو وانكماشه، وعدم حصول المواطن الفلسطيني على قدر كاف من الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع معدل البطالة وتفشي الفقر بين السكان، بعد هذا يؤكد التقرير ان «.
انتهاء سياسة الإغلاق ورفع القيود المفروضة على حركة التنقل وتفكيك الجدار العازل وتكثيف المساعدات الدولية، هي أمور ضرورية ولكنها غير كافية لإخراج الاقتصاد الفلسطيني من حال الجمود وتمكينه من النمو..»، فما يحتاجه هذا الاقتصاد -يقول التقرير الدولي- هو «تعزيز قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة دورها في وضع سياسات التنمية الاقتصادية وتطبيقها ولعب دور قيادي في تخصيص المساعدات الخارجية وإدارتها..»
كأن هذه الشهادة الدولية تود القول بصيغة أخرى بأن تحرير فلسطين سياسياً هو الطريق الأمثل لانطلاقها وانعتاقها اقتصادياً. وليس صحيحاً بالمرة ما يقال عن نجاة الفلسطينيين من الأزمة المالية العالمية بسبب خضوعهم لوضعية الاحتلال الاستثنائية.
من المستحيل أن يكون الاحتلال مدعاة لفضيلة من هذا القبيل. الصحيح هو أن الاحتلال والتبعية للاقتصاد الإسرائيلي يشكلان معاً مدخلاً مثالياً لعبور الأزمة إلى الرحاب الفلسطينية. ذلك ببساطة لأن 90 في المئة من تعاملات هذه الرحاب الاقتصادية والمالية إما أنها تجري مع الاقتصاد الإسرائيلي مباشرة وإما أنها تمر عبر قنوات ومصاف إسرائيلية بشكل غير مباشر.
علة هذه العلاقة التأثيرية تكمن في ارتباط الاقتصاد الإسرائيلي بالاقتصاد العالمي. ناهيك عن أن أبرز مظاهر هذا الارتباط يتجلى مع دوائر المال والأعمال الأميركية، بؤرة الأزمة المالية الأخيرة الأكثر سخونة منذ عقود. وعليه، فإن المشهد يبدو كالتالي: يتلقى الاقتصاد الفلسطيني انعكاسات الأزمة إما تلقائياً بسبب تبعيته لإسرائيل وإما بفعل إسرائيلي عمدي مع سبق الإصرار لتصدير أزمتها إلى الضاحية الفلسطينية.
هناك مداخل أخرى لهبوب رياح الأزمة على فلسطين المحتلة،أهمها إمكانية ضمور تحويلات الفلسطينيين ولا سيما من الدول التي تتعرض لأعطاب مالية، واحتمال استنكاف الدول المأزومة والمانحة عن الوفاء بوعودها أو تعهداتها المالية للسلطة الفلسطينية.
يبد أن هذه المداخل بدورها موصولة بالواقع الذي تعيشه الحالة الفلسطينية. ففي التحليل الأخير يعد الاحتلال الإسرائيلي وما يترتب عليه ويتأتى عنه المسؤول الأول عن إيقاع هذه الحالة ضحية العوز والفاقة وانتقاء القدرة على تشغيل الإرادة والطاقات الذاتية. هنا يصح الاعتقاد بأن الاحتلال هو المتغير أو العامل الرئيس الذي يحول دون اختبار وضعية الاقتصاد الفلسطيني أثناء الأزمات ومنها الأزمة الراهنة.
كاتب وأكاديمي فلسطيني: