ليس بجديد أن نقول إن طفرة الإسكان الحديثة وتوسعاتها أنتجت بمرور الوقت ظاهرة واضحة للعيان، هي هجرة المواطنين من احيائهم القديمة والتي هي في أهم مواقع حيوية في مدينة دبي إلى أطرافها، وتحولت تلك الاحياء وبيوتها إلى أسواق تجارية وبيوت مؤجرة للوافدين غابت عنها الهوية الوطنية وتحولت إلى كانتونات خاصة لها طابعها وإيقاعها المنفصل عن الحياة العامة.
احياء سكنية شهيرة وكاملة، لها صيتها ولها ناسها الذين كانوا فيها وفي قلب دبي ما عادت مأهولة بأهل البلد..هذه الأوضاع التي جاءت دون تعمد، ودون سابق تخطيط، وإنما أفرزتها سياسات توفير المساكن الحديثة للمواطنين، وتلبية توسعات التخطيط العمراني وامتداداته بفضل الطفرة الحضارية التي تشهدها دبي.
هذه الأوضاع بحاجة ماسة اليوم إلى إعادة النظر في أمر احياء سكنية لها تاريخها ودلالاتها في الهوية الوطنية، تحولت تحولاً ديموغرافياً معاكساً، وأفرغت من محتواها الوطني.. صحيح أن هذه البيوت المؤجرة في تلك الاحياء أثمرت عوائد ايجابية عبارة عن عوائد مادية لأصحابها، لكنها أفرغت من مضمونها الحيوي والمهم، وأخلت بميزان الانتشار.
خبر الجلسة الاعتيادية لتنفيذي دبي، والتي ترأسها سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي النائب الأول لرئيس المجلس التنفيذي والتي استعرضت جوانب من سياسات الإسكان في الإمارة حمل تباشير مفرحة ومريحة وشيئاً يدفع إلى الاطمئنان يذهب باتجاه حل إشكالات مثل تلك الظواهر، عبر سياسات حكيمة وضعت التنمية الاجتماعية والتقارب الاجتماعي بين المواطنين وتوفير الحماية اللازمة للهوية الوطنية وتحقيق التوازن في استخدامات الأراضي في كفة واحدة وضمن الأولويات الأهم.
إعادة تأهيل الاحياء السكنية ذات الصيت والشهرة في دبي والتي ناقشتها جلسة التنفيذي نأمل أن يصاحبها التفكير في إعادة توطين الإسكان في الأحياء السكنية التي أصابها التغيير الديموغرافي الكامل، احياء مثل الراس والمرر وبورسعيد والحمرية وهور العنز والبراحة.
هذه المناطق وغيرها، ما عاد فيها محط قدم لمواطن.. أما كيف ستتم الدعوة إلى العودة لتلك الاحياء؟ فهذا أمر لا يمكن أن يستعصي على منفذي استراتيجية دبي، ولا على مبادرات ومشاريع التأهيل العقاري لأنه بلمسة وطنية ذكية بالإمكان إغراء العديد من العوائل أو أبنائها للعودة إلى تلك المناطق، مثلما هي نية تنفيذي دبي في تخصيص نسبة من المشاريع التي تنجزها شركات التطوير العقاري للمواطنين لتطلعات المجلس في أن يسهم ذلك في تواجد المواطنين وانتشارهم في كافة مناطق الإمارة، وهذا هدف مهم جداً نضع تحته ألف خط أخضر، وهدف في صميم طموحات الهوية الوطنية وتأكيدها في المكان والزمان.
نحن في دبي إلى احيائنا السكنية التي ولدنا وتربينا فيها ويأخذنا الاشتياق إليها في نزهات قصيرة لاستعادة الذكريات.. بشيء من التخطيط والترغيب والتهيئة بإمكانها أن تكون حاضنات سكنية، إن لم تكن لنا فلأبنائنا على الأقل.
