في مثل هذا الموعد من كل عام يتجدد لقاؤنا بالكتاب، ويتجدد احتفالنا واحتفاؤنا به، بما يعكس مكانة الكتاب عندنا، أو ـ بعبارة أصح ـ بما يجب أن يعكس مكانة الكتاب عندنا، كما يمكن أن نعدل العبارة مرة أخرى ونقول: بما نتمنى أن يعكس مكانة الكتاب عندنا.

لا تزال إشكالية القراءة قائمة في مجتمعنا، ولا نزال نعاني المعاناة نفسها من عدم إقبال أفراد المجتمع ـ خصوصاً الشباب والناشئة ـ على القراءة، ومما يؤسف له أن مثل هذه المعارض تُقام بشكل أساسي من أجل المجتمع بجميع أفراده مع التركيز على هذه الفئة المعرضة من خلال أجنحة خاصة، وأنشطة جاذبة، إلا أننا نفاجأ ونحن نمشي في ممرات قاعات المعرض، بين الأجنحة المختلفة.

بأن أفراد هذه الفئة العمرية تحديداً يأتون للمعرض ـ إما ضمن الرحلات المدرسية، أو في زيارات خاصة أحياناً ـ من أجل التجول فقط، والمشي في جماعات مكونة من ثلاثة أو أربعة أفراد للكلام بصوت عال، والضحك بصوت أعلى، أو للجلوس في الردهة الخارجية لتناول المأكولات والمشروبات التي قد يجدونها في أي مكان وزمان بعيداً عن المعرض!

لا أعتقد أننا نجحنا كثيراً في إنشاء علاقة حميمة بين هذه الفئة العمرية والكتاب، على الرغم من الجهود الكثيرة المبذولة في هذا الجانب على مدى سنوات طويلة مرت، لذلك لا تزال هذه الفئة العمرية بالتحديد معرضة عنه إعراضاً شديداً. وهؤلاء الفتية والفتيات والشباب والشابات الذين نراهم اليوم صغاراً يحتاجون إلى الاهتمام والرعاية والتوجيه سيصبحون في غضون سنوات قليلة في مواقع عمل تتطلب منهم ثقافة عالية، كالتدريس على سبيل المثال، وغير التدريس أيضاً، كما سيصبحون أرباب أسر، وهي أكثر «وظيفة» في العالم تحتاج لثقافة عالية جداً، ولأن كل إناء بما فيه ينضح، فإننا لن نستغرب إذا رأينا أنهم لا يجدون ما يقدمونه للآخرين، سواء كانوا أبناءهم أو غيرهم ممن يمكن أن يختلطوا بهم في مواقع العمل المختلفة.

ولأن هذا الكلام عمره سنوات طويلة، يمكننا أن نرى صورة حية منه على أرض الواقع، وسأضرب ـ كالعادة ـ مثالاً من واقع احتكاكي بالطالبات في قاعات الدرس الجامعي، إذ من الطبيعي أن يُثار دائماً الكلام على القراءة وأهميتها، ودورها في تنمية المجتمعات والارتقاء بها، وكثيراً ما أجد طالبات يرفضن هذا الكلام، ويشعرن بشيء من المبالغة فيه. بل إن كثيرات منهن يعبرن عن مشاعر سلبية جداً تجاه القراءة، ويرون أنها عذاب لا يُحتمَل! هؤلاء الطالبات أصبحن الآن مدرسات وأمهات، ولا تزال صورة القراءة في أذهانهن قاتمة على الرغم من كل المحاولات التي بُذلت من خلال الأنشطة الصفية واللاصفية لتخفيف حدة مشاعرهن السلبية تجاه القراءة.

سأتوقف هنا قليلاً لمحاولة التعرف إلى مولدات هذه المشاعر السلبية، وهو ما كنت أبحث عنه مباشرة بمجرد أن تقول لي طالبة بصوت عال دون خجل، ومع التركيز على كل كلمة تتلفظ بها: (أنا أكره القراءة)، إذ بمجرد أن تصل هذه الجملة الصاعقة جداً إلى مسامعي أتوجه للطالبة بالسؤال عن السبب، لأن الحب قد يأتي من غير سبب أحياناً، أو قد يصعب علينا تحديد سببه أو معرفته بدقة، لكن الكره لا بد له من سبب واضح ومعروف، فكانت الطالبات جميعاً اللواتي يشتركن في إحساس «كره» القراءة يجمعن على أن أسلوب المدرسات هو السبب في ذلك، إذ كن يلاحظن أن التكليف بالقراءة مرتبط دائماً بالعقوبات، لذلك ارتبطت القراءة بالعقاب عندهن.

كما تثير الطالبات موضوعاً آخر مرتبطاً بالقراءة، في سياق الحديث نفسه، ويأتي دائماً على شكل سؤال بالصيغة ذاتها لا تتغير مهما تغيرت الوجوه والسنوات: (لماذا نقرأ؟ ما الفائدة من القراءة؟)، وهذه هي مصيبتنا الكبرى.. إذا كان طلابنا يصلون إلى مرحلة التعليم الجامعي وهم لا يعرفون أهمية القراءة، أو السبب الذي يجعلنا نحثهم على القراءة، فهي مصيبة كبرى بالفعل، وهذا يكشف عن تقصير المدرسين والمدرسات الذين لم يقوموا بدورهم مع هؤلاء الطلاب والطالبات كما يجب، دون تعميم طبعاً.

ربما تداركت وزارة التربية والتعليم هذا الأمر أخيراً من خلال المبادرة التي أطلقتها، بعنوان (القراءة ثقافة وسلوك)، التي تسعى من خلالها إلى جعل القراءة عادة حياتية يومية يمارسها الطالب كما يمارس أي نشاط يومي آخر، وهو ما كنا نطالب به منذ سنوات، وأرجو أن توفق الوزارة إلى تحويل أفكار هذه المبادرة المهمة إلى واقع نلمس نتائجه ولو بعد حين.

وبالعودة إلى معرض الشارقة الدولي للكتاب، هذا الضيف الذي يزورنا سنوياً في موعد ننتظره بصبر نافد، نتمنى أن يكون إقبال الجمهور عموماً أفضل من العام الماضي، ونتمنى خصوصاً أن يكون إقبال طلاب وطالبات المدارس والجامعات أفضل أيضاً، ولكننا نريد حضوراً نوعياً، بمعنى أننا نريد الجماهير القارئة سواء من الطلاب أو غيرهم، لا الجماهير المتجولة أو الراغبة في التجول.

ويمكن أن تتخذ إدارات المدارس سياسة معينة تكون فيها مثل هذه الرحلات مكافأة للطلاب المعروفين بحبهم للقراءة، أو بميلهم لها، أو الطلاب الذين ينجحون في قراءة عدد محدد من الكتب خلال الفترة التي تسبق المعرض منذ بداية العام الدراسي، بحيث تكون رحلة معرض الكتاب بمثابة مكافأة لهم.

وذلك كي لا نرى طلاباً يتراكضون في ممرات المعرض وبين أجنحته كأنهم في ساحة المدرسة أو في ملعب كرة قدم، وكذلك كي لا نرى الطالبات وهن يبالغن في وضع زينتهن في دورات المياه، لأنهن ممنوعات من وضعها في المدرسة قبل الاطمئنان من ركوب الحافلة التي ستقلهم إلى مكان هو بالنسبة لهم مجرد «رحلة مدرسية»، ليتوقف الهدف من هذه الرحلة عندهن على وضع مساحيق الزينة والعطور ثم التجول في مكان يحتفي بالجوهر ولا يسأل كثيراً عن المظهر.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com