من يتابع السياسة العربية في الوقت الراهن لن يجد أي عناء في اكتشاف أنها شبه مجمدة، على صعيد أكثر من قضية، وهذا التجميد يعود في الأساس إلى أن الساسة العرب ينتظرون القادم الجديد إلى البيت الأبيض والسياسات التي سوف يتبعها فيما يخص هذه القضايا، والمؤسف أن المناظرات التي جرت بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الأميركية وتلك التي جرت بين نائبيهما خلت كلها من الحديث عن معظم القضايا العربية ولم تتطرق إلى موضوع واحد فقط هو العراق، أما المسألة الفلسطينية فلم تذكر إلا عند الحديث عند مزايدتهما على ضرورة حماية امن إسرائيل.

وهذا الغياب يعني أن الرئيس الأميركي المنتخب عندما يبدأ في ممارسة صلاحياته لن يضع القضايا العربية ضمن أولوياته المتقدمة، وإنما سيبدأ في التعاطي مع قضايا أخرى داخلية وخارجية قبل أن يبدأ في الاهتمام النسبي بهذه القضايا بعد فترة من بدئه في ممارسه مهامه، الأمر الذي يشير إلى أن هذا التجميد قد يستمر لفترة أطول من انتهاء الانتخابات الأميركية وهو ما يعني أن قضايا العرب ستظل مجمدة لفترة طويلة من الوقت.

وهناك نقطة جديرة بالإشارة وهي أن بعض هذه القضايا مجمدة ليس بهدف أن يبت الرئيس الأميركي الجديد فيها ولكن حتى تتضح هويته واتجاهات تعاطيه مع القضايا وكيف تبدي مراكز الأبحاث الأميركية القريبة منه رأيها منها، وبالتالي يمكن أن تتحرك القضايا بمجرد أن يتم انتخاب الرئيس الجديد.

ومن أسف فان مراكز الأبحاث لدينا حتى هذه اللحظة لم تعقد ورشا أو ندوات لبحث كيف سيتحرك كل من المرشحين للانتخابات الرئاسية الأميركية في القضايا المهمة حتى تكون لدينا سيناريوهات جاهزة بمجرد انتخاب الرئيس، ونفس هذه المراكز سوف تنتظر إعلان اسم الرئيس لكي تعقد مؤتمرات وندوات حول كيفية تعامله مع القضايا العربية الرئيسية، في الوقت الذي يكون فيه آخرون قد جهزوا العدة لما سوف يحدث في معظم هذه القضايا بناء على سيناريوهات جاهزة لديهم.

فعلى سبيل المثال فإن العرب لا يعلمون ولم يستعدوا لما سوف يحدث هناك في حال تنفيذ المرشح الديمقراطي باراك أوباما لخطته الخاصة بسحب القوات الأميركية من العراق خلال عام ونصف العام، على الرغم من أن ذلك سوف يؤثر ليس فقط على العراق وإنما على كل دول الجوار الجغرافي له، ولم يسع العرب لمعرفة ما هو مستقبل تصورات جون بإيدن المرشح لمنصب نائب الرئيس التي تقضي بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات وهل أصبحت ماضيا أم سيتم تفعيلها مع وصول الديمقراطيين إلى الحكم في الولايات المتحدة الأميركية.

وإذا كان الرئيس الديمقراطي إذا ما نجح سيسعى إلى الحوار مع إيران حول برنامجها النووي، بدلا من شن حرب ضدها كما يهدد الجمهوريون فان الساسة العرب والخبراء المرتبطين بدوائر صنع القرار في العالم العربي، لم يضعوا سيناريوهات حول موقف الدول العربية من ذلك وهل ستتأثر مصالحها سلبا أم إيجابا بهذا الحوار ولم تبحث كيف سيكون شكل علاقتها بأي من إيران والولايات المتحدة في حل بدء التفاوض أو في حال شن الحرب، وبالتالي فهي ستظل في موقف رد الفعل بدلا من أن يكون لها دور مؤثر في تفاعلات المنطقة.

أما على صعيد تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، فلا يعلم العرب ولم يبحثوا هل سيتعاطى الرئيس الديمقراطي مع تسوية الصراع من حيث انتهى آخر رئيس ديمقراطي وهو بيل كلينتون، أم سيكون له خطط جديدة، وفي هذه الحالة هل سيستأنف مفاوضات كامب ديفيد أم سيجد بدلا لها، وفي حال كانت له خطط جديدة فما هي، هذا على المسار الإسرائيلي الفلسطيني، أما على المسار السوري الإسرائيلي فلا نعلم هل سيعتمد الرئيس الجديد إذا ما كان ديمقراطيا وديعة رابين أم انه سيتجاهلها.

هذا في حال ما إذا كان الرئيس ديمقراطيا، أما إذا جاء جون ماكين إلى المنصب فهل لدى الساسة العرب أو الدوائر المرتبطة بصنع القرار أية إجابات حول ما إذا كان سيلتزم بالتعهدات التي أطلقها الرئيس جورج بوش أم انه سيبدأ من جديد في التعاطي مع الصراع العربي الإسرائيلي، وما هي أسس هذا الأسلوب الجديد؟

كل هذه الأسئلة لا نعتقد أن هناك إجابات عنها سوى لدى الساسة العرب أو أجهزة ومؤسسات صنع القرار أو الدوائر البحثية والأكاديمية العربية، وهو ما يؤكد أن حالة الجمود ستظل لفترة ليست قصيرة أن التحرك لو تم سيكون في وجهة بعيدة عن المصالح والتصورات العربية.

وهناك المزيد من القضايا التي تجمدت حتى انتخاب الرئيس الأميركي الجديد نذكر منها الصحراء الغربية والموقف من الرئيس السوداني على خلفية مشكلة دارفور، وكل ذلك يؤكد أن الوطن العربي شبه مجمد في الوقت الراهن انتظاراً لما سوف تسفر عنه الانتخابات الأميركية، لكنه في نفس الوقت يؤكد خطأ الرهان العربي في العقود الماضية عندما وضع كل الحكام العرب كل قضاياهم في السلة الأميركية معتبرين أن 99% من أوراق اللعب في أيديها، وهو ما جمد قضاياهم، وفي نفس الوقت أصبحوا يشهدون تحولات دولية تؤكد أن عصر الهيمنة الأميركية في طريقه إلى الزوال، فهل يبدأ العرب في ترتيب أوراقهم؟

كاتب مصري

srgany@hotmail. com