هل من الممكن أن تستمر الطفرة الاقتصادية الخليجية في ظل ركود عالمي وشيك يلبد أجواء العالم ؟هذا التساؤل الذي قد يقوض حلم الدول الخليجية في الانتعاش الاقتصادي ويجبرها على مراجعة خططها الاستثمارية التي أنعشها ارتفاع أسعار النفط خلال ست سنوات متتالية، وخرج وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في اجتماعهم الأخير ليعلنوا عن حزمة التدابير الاقتصادية التي قامت بها دول الخليج منفردة لحل الأزمة المهددة لاقتصادياتها ولاسيما أزمة السيولة العالمية.

وربما أهم ما خرج به الاجتماع الخليجي الطارئ هو تأكيدهم على ضرورة وجود عملة خليجية موحدة، والمتتبع لجهود المجلس لإقامة اتحاد نقدي خليجي وإصدار عملة خليجية موحدة مقرر إصدارها في العام 2010 سيقف عند كثير من التحفظات التي أرجأت هذه الخطوة كثيرا، فقيام دولة الكويت بفك ارتباط الدينار مع الدولار لكبح التضخم في البلد أثار مخاوف الكثير من المختصين بشأن توحيد العملة الخليجية بسبب أن دول الخليج لم تتفق حتى الآن على أساليب موحدة بشأن التضخم.

كما أنها لا تزال تعتمد إلى حد كبير على الدولار في مسألة الاحتياطي القومي وكذلك التداول الدولي الرئيسي في الاستيراد والتصدير ونقل الأموال، وكما يرى اقتصاديون خليجيون أن قرار الكويت فك ارتباط الدينار بالدولار يعزز التوقعات القائلة بعدم تمكن دول مجلس التعاون الخليجي من اعتماد عملة موحدة كما هو مقرر عام 2010.

وذكرت بعض التقارير أن دولا خليجية أخرى أبدت تحفظات على بعض المعايير ما أثار شكوكا حول قدرة الدول الخليجية على إطلاق عملتها الموحدة في الموعد المحدد، كما أعلنت سلطنة عمان عن انسحابها من مشروع العملة الموحدة لعدم تمكنها من الالتزام بالمعايير المحددة لذلك، ولعل الأهم من تلك التحفظات هو ضرورة استكمال بعض الأهداف الاقتصادية قبل أن ترى العملة الخليجية النور، والتي لا بد أن يستشعر المواطن الخليجي معها بقيمة التكامل الاقتصادي الخليجي كواقع وليس مجرد أحاديث وزراء.

فالواقع الزمني قبل إعلان العملة الموحدة قد لا يفسح المجال لرسوخ التكامل الاقتصادي المرجو بخاصة في ظل سوق مشتركة لا تزال تحبو باتجاه النمو ولا يزال أمامها تحقيق منجزات ضرورية لتحقيق الوحدة الاقتصادية كحرية انتقال السلع ورؤوس الأموال والعمالة إضافة إلى إقامة منطقة التجارة الحرة لتحرير كافة السلع، وطموح يستدعي الانتقال إلى مستويات أكبر بكثير من المستوى الحالي في مجال التجارة البينية الخليجية.

ويرى البعض أن أفضل ما يمكن أن يحقق هدف التكامل الاقتصادي المنشود، ويضفي في الوقت نفسه مصداقية على طموحات مجلس التعاون الخليجي لإنجاح هذا التكتل، هو المضي قدما في الاتفاق على معايير جديدة في موضوع سياسة صرف جديدة بخاصة وأن دولا مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ليست بصدد فك الارتباط بالدولار.

وقال سلطان بن ناصر السويدي محافظ بنك الإمارات المركزي «بأن ليس هناك أي نية في الوقت الراهن لفك ارتباط عملاتنا بالدولار الأميركي، بسبب تقلب معظم العملات في جميع أنحاء العالم، التي ترتفع حيناً وتنخفض حيناً آخر فمن وجهة نظره يرى أن انخفاض الدولار أمر مؤقت، ويجب ألا تبنى قرارات طويلة الأجل بالاعتماد على مسائل قصيرة الأجل»، لكن تبقى وجهة النظر هذه تدفع بتساؤل هو إلى أي مدى سيتقاطع الارتباط بالدولار مع المصالح طويلة الأجل لأعضاء مجلس التعاون الخليجي الذين سيتبنون عملة موحدة؟

وهل قامت الكويت بفعل الصواب حين ربطت عملتها بسلة عملات ؟ بخاصة وأن مشروع توحيد العملات يؤدي إلى تخلي الدول عن سياسات منفردة لتغيير أسعار الصرف أو أية إجراءات مستقلة في مجال السياسة النقدية .

من جانب آخر يجد بعض الاقتصاديين أن إقرار العملة الخليجية الموحدة ستساعد على خفض تكاليف المعاملات الخارجية، وتنظم عملية عرض النقود الورقية في السوق لضمان سلامة قيمتها، وكذلك تشجع المصارف في الدول الخليجية على رفع أدائها على أسس مصرفية متطورة تتلاءم مع مستجدات الخدمات المصرفية العالمية.

بل أن هناك دراسات تؤكد على أن تشابه أسواق العمل في دول المجلس واتسامها بالمرونة ومستويات الأجور الاسمية بل واعتمادها على العمالة الوافدة، من شأنه أن تعطي اقتصادياتها سهولة في التكيف مع أية صدمات محتملة دون اللجوء إلى تغيير في أسعار الصرف.

إضافة إلى أن وجود عملة خليجية موحدة من شأنه أن يخلق سوقا إقليمية ضخمة لرأس المال ما يعزز حركة النشاط التجاري والمالي بين دول المجلس، إضافة إلى تكوين قاعدة اقتصادية متينة في مجال التبادل التجاري مع الدول الأخرى .

في الاتجاه ذاته يرى البعض أن وجود عملة خليجية موحدة سيحقق مكاسب من خلال عملية إعادة ترتيب قيمة العملات ولاسيما رفع هذه العملات مقابل الدولار مما يؤدي إلى تعزيز قيمة الأصول في سوق العقارات، فالدرهم على سبيل المثال دون قيمته الحقيقية بسبب التضخم المرتفع ومعدلات الفائدة المنخفضة التي لا تناسب الطفرة الاقتصادية في الإمارات، ومع عملة خليجية موحدة وبنك مركزي خليجي مقره على الأرجح في الرياض سيتم تثبيت معدلات فائدة وقيمة للعملة تتوافق أكثر مع البيئة الاقتصادية السائدة في الخليج.

إذن هناك حتمية لقيام تكامل مالي خليجي في ظل اندماجات أسواق المال العالمية، وإذا كان محافظو مؤسسات النقد والبنوك المركزية الخليجية قد أنجزوا بعض الخطوات العملية المهمة لإصدار العملة الخليجية الموحدة حتى الآن شملت تسمية العملة وفئاتها وأسلوب طرحها للتداول وتحديد نظام صرفها وإقامة المؤسسات الخاصة بها، فهل هذه الإجراءات كافية للانجاز الأهم وهو إقرار العملة في العام 2010 ؟

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com