لا يمكن ضبط أسعار السلع في أسواقنا، لأن اقتصادنا لا يملك حق فرض السعر، وبالرغم من مساعي وزارة الاقتصاد لضبطها عبر سياسات لطيفة مع التجار، إلا أن سياسة الاقتصاد الحر لا تمنع تاجراً أو بائعاً من وضع السعر الذي يريده على بضاعته، لكن في الحالة العامة ونتيجة المنافسة وطبيعة العمل التجاري في الأسواق، تسير الأسعار.
كما تسير أسراب المواشي في الحقول والمراعي، فتتجه مؤشراتها دوماً إلى المناخ العام للأسواق، ولهذا فإن السلعة تتبع هذا المناخ العام، ولأن اللاعبين الأساسيين في أسواقنا ليسوا هم فقط التجار الرئيسيين والموردين، وإنما تجار التجزئة، فهؤلاء هم الذين يمتلكون السيطرة الميدانية على سعر السلعة.
فتاجر التجزئة هو المنتقم الوحيد من الزبون المستهلك للسلعة، لأن تجار التجزئة لا من ثوبنا ولا من أهل البلد، فهم لا يمتلكون أدنى ولاء للحالة العامة، وليس يعنيهم إن ارتفع هامش الربح إلى مئة في المئة أو مئتين في المئة في بضاعتهم، وهذا حال واضح في السوق.
لكن الطامة الكبرى والتي لا يمكن ضبطها ولا يمكن مراقبتها ولا يمكن حتى التدخل بإجراء ضدها، هي حالة التفريق بين زبون وزبون، ففي أسواقنا في الغالب هناك ثلاثة أسعار للبضاعة أو السلعة نفسها، سعر معقول وتراعى فيه فائدة معقولة لمن هم من أبناء جلدة البائع أو التاجر، وسعر آخر لمن هم من غير أهل البلد، على اعتبار أن هناك صفة قرابة مشتركة إطارها الاغتراب عن الوطن، أما المواطن.
فهو الذبيحة الرسمية أمام كاونترات الدفع، ويحلو لأغلب الباعة رفع الفائدة عليه إلى الضعفين والثلاثة أضعاف!! هذه حقيقة يعرفها من يراقب بدقة أساليب البيع والمفاصلات على السلع في أزقة أسواقنا، وهي ثقافة سالبة انتشرت وتشكل رافعة مؤثرة في تضخم الأسعار.
ومن الأمثلة التي يشيب لها شعر رأس الوليد كثيراً وتسمعها عند القاصي والداني.. وللناس فيها مفارقات وعجائب وحيل أيضاً: حدثني صديق عربي أنه دخل على حلاق آسيوي، فانتبه إلى أن الحلاق قبض خمسة دراهم عن حلاقة ذقن زبون من بني جلدته. وحينما انتهى أخونا العربي وطلب الحساب عن حلاقة لحيته طالبه الحلاق بدفع عشرة دراهم، وانتهى المطاف في جلسة الحلاقة نفسها بشاب مواطن دفع عشرين درهما!.
هذا مثال بسيط في سوق الحلاقين، سأل العربي الحلاق عن سر التفريق في الأسعار، فرد الحلاق بابتسامة عريضة..«هذا نفر مسكين، انته فيه فلوس شوية، مواطن فيه فلوس كتير».. لكن الأمثلة تكبر في أسواق البضائع، فالآسيوي يشتري القماش بسعر، والعربي يشتريه بسعر والمواطن يشتريه بسعر.. والآسيوي يصلح سيارته بسعر والعربي بسعر آخر والمواطن بسعر أعلى للخدمة ذاتها.. من أصغر الأمور إلى أكبر الأمور.. يحدث هذا في السوق وبموجب هذا المنطق!.
