الهند ترسل قمراً صناعياً غير مأهول إلى القمر في مهمة تستغرق عامين؟! وإذا ما عرفنا بأن اليابان والصين قد سبقتاها في مهمة مماثلة من قبل، فهذا يعني أن الأوزان الثقيلة بدأت تميل شيئاً فشيئاً لصالح شرق الكرة الأرضية بعد أكثر من قرابة قرن من ميلانها لجهة الغرب.
وإذا كانت خطوة الميل تبدأ بخطوة، فمن المتوقع أن تلعب دول الشرق الأقصى والأدنى دوراً كبيراً في تاريخ البشرية المعاصر. فما الذي يمنع من أن يتحول الدور الأميركي إلى الصين والدور الأوروبي إلى الهند؟
والكل يعلم بأن بداية تألق نجم الولايات المتحدة في الستينات من القرن الماضي بدأ مع غزوها للفضاء. وكذلك الحال للاتحاد السوفييتي (سابقا). إن الوصول إلى تصميم وصناعة وإرسال قمر صناعي أو صاروخ فضائي للقمر له دلالاته الاجتماعية والاقتصادية.
وإلى فترة وجيزة كانت الهند مثالاً للفقر والتخلف. ومع أن الفقر ما زال السمة السائدة للشعب الهندي إلا أن الهند الدولة بدأت فيما يبدو بشكل براغماتي في وضع أسس صلبة لتكوين دولة متقدمة صناعيا واقتصاديا. وقد تستفيد الهند كثيرا من تجارب وأخطاء الدول التي سبقتها في هذا المضمار، وهي التي تملك من الأيدي العاملة والعقول العالمة والخبرات الطويلة ما يكفيها لتحقيق مثل هذه الخطة (وليس مجرد الحلم).
عندما دخلت الهند قبل عقود من الزمن عالم الطاقة النووية تساءل الكثيرون وبسخرية عن مغزى صناعة قنبلة نووية بينما يموت الشعب الهندي جوعا على قارعة الطريق؟ واكتشفنا بعد عقود من الزمن مدى صحة القرار الهندي على المستوى العسكري والاقتصادي. واليوم يعود نفس التساؤل عن مغزى هذه التجربة الفضائية التي كانت حكرا على دولتين عظميين كأميركا وروسيا ؟
ولكن ربما غاب عن بال الكثيرين أن الهند غير مستعدة اليوم لتبذير ملايين الدولارات في سبيل اكتشاف وجه القمر كما فعلت الولايات المتحدة في الستينات. الحقيقة هي أن الهند تخطط من وراء مشروعها هذا لاستثمار اقتصادي مهم جدا مستفيدة بذلك من التجارب الأميركية والروسية السابقة.
حيث من المقرر أن ينشر الصاروخ مسبارا آليا يدور حول القمر لالتقاط خريطة ثلاثية الأبعاد توضح انتشار العناصر والمعادن فوق سطحه. ومن ضمن هذه العناصر غاز الهليوم-3 الذي يُعد مصدراً ثميناً للطاقة إلا أن وجوده نادر على سطح الأرض.
وكما كنا نتحدث سابقاً عن وكالة ناسا الفضائية، أصبحنا نردد اليوم كلمة ISRO وهي اختصار لـ Indian Space Research Organization.أي هيئة أبحاث الفضاء الهندية. ويبدو أن هذه الهيئة تضم أكثر من 000,20 ألف عامل وميزانيتها الحالية تربو على مليار دولار. ولكن ما قد يجهله الكثيرون منا أن هذه المؤسسة قد أنشئت في نهاية الستينات من القرن الماضي وهي ليست وليدة اللحظة.
لقد انتظرت الهند طويلاً لتنضم اليوم إلى سباق غزو الفضاء مع الدول الكبرى، وهو سباق القرن الواحد والعشرين بلا منازع. وعندما تنطلق الهند إلى الفضاء فإنها تريد بذلك أن تعلن أمام العالم بأنها لم تعد دولة مستجدية ولن تمد يدها بعد اليوم إلى المارة طالبة لصدقة جارية.
وكما توقع الباحثون، فإن الهند أصبحت نقطة جذب لاستثمارات مالية ضخمة جاءت إليها من الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا. كما أن العديد من الشركات البريطانية نقلت أعمالها إلى الهند خاصة العاملة منها في مجال الاتصالات أو الأعمال القانونية.
وعندما تنقل هذه الدول الغربية الضغينة والغيورة على رؤوس أموالها شركاتها واستثماراتها إلى الهند فهذا يعني بالتأكيد ضمان مضاعفتها في مدة زمنية قياسية. وهذا الضمان قائم على أسس ثابتة منها الاستقرار الأمني والسياسي في الهند وتوفر الأيدي العاملة المنافسة الرخيصة.
فالهند رغم تنوعها الجغرافي واللغوي والديني والاجتماعي وبعض مشاكلها المعلقة مع جارتها باكستان، إلا أنها استطاعت أن تحفظ استقرارها الداخلي إلى أقصى حد ممكن بحيث لا يؤثر على تنميتها الاقتصادية. صحيح أن هناك اغتيالات على مستوى رئاسة الحكومة قد حدثت في تاريخ الهند وراحت ضحيتها نخبة من منظري السياسة الهندية إلا أن الأسس الديمقراطية التي بنيت عليها مؤسساتها السياسية ظلت قائمة دون أن تتأثر بمثل هذه المفاجآت غير السارة.
بينما الدول الأخرى إذا حدث ما لم يكن في الحسبان انقلبت فيها الأمور رأساً على عقب، وربما تغيرت الحكومات وتبدلت السياسات والاستراتيجيات العامة ووجد بالتالي معظم المستثمرين الأجانب استثماراتهم قد راحت هباء منثوراً. فأي دولة أجنبية وأي مستثمر يفكر في المغامرة برأس ماله في باكستان على سبيل المثال؟
مع أن المسافة بين باكستان والهند لا تتعدى مسافة خط وهمي تم رسمه بعد انفصال الأولى عن الثانية. لقد بلغت الاستثمارات الأجنبية في الهند في السنة المالية المنصرمة 19 مليار دولار ! وهي تطمح أن تصل في السنة الحالية إلى 30 مليار! ولم يخف وزير الصناعة الهندي العام الفائت رغبة بلاده في أن تقوم دول مجلس التعاون الخليجي في الاستثمار في بناء البنية التحتية لبلده.
إن أي دولة لا تقوم على بنية تحتية قوية واستقرار أمني نسبياً ثابت لن تصلح بأي حال من الأحول لتصبح نقطة جذب للاستثمارات الأجنبية، ودولة لا تملك مثل هذه المقومات يجب أن لا تفكر بالتالي في غزو الفضاء ومنافسة الدول الكبرى في هذا المضمار.
ونحن لا حاجة لنا هنا بالتذكير بحال الدول العربية ولا بمقارنتها بدول تبعد عنها بعض الكيلومترات يسارا أو يمينا ولم تستغل حتى الآن لا علوم الغرب ولا تجارب الشرق وظلت في منتصف الطريق نائمة تماما عما يدور على جنبيها لا حول لها ولا قوة، بينما موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية وأيديها العاملة لو استغلت بشكل مثالي لجعلت منها أعجوبة في تاريخ البشرية كما صنع الفراعنة قبل 3000 سنة قبل الميلاد اعتمادا على ثروات النيل...
فإلى متى سيظل العرب يرددون أغنية (يا ما القمر عالباب) التي تبثها الإذاعات العربية بكل إصرار كل مساء حتى صدقنا الكذبة؟ فالقمر ليس أمام أبوابنا والقمر لا ينزل إلى الأرض، وإنما علينا أن نذهب إليه كالآخرين.
جامعة الإمارات :