يبقى الحي السكني هو البيئة الأكثر تأثيراً في الأطفال والكبار، وتبقى مرافق الحي السكني التي يفترض ان تزامن التخطيط لها وإنشائها مع تخطيط وإنشاء الحي، والتخطيط الحديث الذي يراعي احتياجات مجموعة السكان في الحي لا يفرط في تلبيتها، وهذا الأمر يعرفه جيداً المخططون والمصممون من المهندسين، لكن عندنا ينعكس هذا الأمر رأساً على عقب، حيث تنمو بيوت الحي الجديد بالبناء شيئاً فشيئاً.
وتكتمل ويقطن الناس هذه البيوت، ثم لا يأتي رصف الشوارع إلا بعد سنوات طويلة، تكون فيه البيوت قد شاخت، ثم تأتي أو لا تأتي حديقة الحي ومكان الترفيه، ثم تأتي أو لا تأتي مكتبة أو مركز الحي الثقافي، ثم تأتي أو لا تأتي عيادة الحي.
وقس على منوال هذه الاحتياجات ما تبقى منها.. ويسأل المرء نفسه كثيراً، حينما تم تخطيط الحي، قيل ان هناك حديقة، وهناك مركز أو مكتبة وهناك شوارع مرصوفة، وهناك شبكة مجاري وتصريف مياه، وهناك وهناك..
مئات من الأحياء السكنية خالية من مكملاتها الضرورية، لا شوارع ولا إنارة، لا عيادة ولا مكتبة أو ملعب رياضي، لا حديقة ولا حتى مكب نفايات مرتب ومنظم ولا تتكدس فيه النفايات لأيام.. في الوقت نفسه نفكر كثيراً في مسائل التربية وضبط سلوك الأبناء وأهمية دور بيئات وحاضنات أفكارهم وطاقاتهم ودرء الشرور عنهم، وننشغل بضرورات وجود البيئة المناسبة التي تحافظ على حياتهم وسلامتها.
وهويتهم وثقافتهم التي تبنى من خلالها شخصياتهم وانتمائهم الوطني.. ننشغل ونفكر ونقول ونسلم بمسلمات علمية في علم النفس والاجتماع والجريمة، وان المكان، أو البيئة هي المؤثر الكبير في تشكيل أنماط السلوك وبناء الشخصية عند الأفراد.
في أماكن متفرقة توجد لدينا أحياء مخيفة جداً، الطرق إليها وعرة، والسكك بين بيوتها وممرات حاراتها متاهات تتكدس فيها المخلفات، ومستنقعات مياه المجاري، مظلمة حينما يحل المساء، خالية من الاحتياجات الأساسية، إيقاع الحياة فيها يختلف عن المناخ العام والإيقاع العام للمدينة.. وتسأل لماذا ينزرع حي بهذه الحالة؟ ولماذا يترك بهذه المواصفات؟
لا أعرف ما الذي يجعل مثل هذه الأحياء حقيقة عندنا.. هل هي نتاج تخطيط البلديات؟ وهل الاهتمام بها أو تجاهل أمر ترتيب أوضاعها خاضع لقائمة تراتبية.. أي حي خمس نجوم وحي أربع نجوم وحي ثلاث نجوم وحي نجمة وحي صفر نجمة؟ إذا كان الأمر كذلك فهذه طامة أكبر!!.
