حضرت قبل عدة أسابيع فعاليات مهرجان برلين العالمي للأدب، والذي يعد أحد المهرجانات الأدبية المتميزة في أوروبا. وكان ضيف الشرف هذا العام هي «القارة الأفريقية» حيث حلّ الأدب الأفريقي، والموسيقى الأفريقية، والشعر الأفريقي أيضاً، ضيفاً خفيف الظل على برلين، التي اكتست ببرودة القارة العجوز وبدفء القارة السمراء.

في إحدى الأمسيات الشعرية، بدأت الأمسية بموسيقى أفريقية لعازف سنغالي، حيث قرع على بعض الطبول وغنّى شيئاً من تراثه الأفريقي لمدة لا تتجاوز خمس دقائق. وبعد أن انتهى، صعد على المنصة شاعر (تشيكي) وإلى جانبه ممثّل ألماني كان يقرأ شعرا تشيكيا مترجما إلى اللغة الألمانية. لم أعرف عم كان يتحدث الشاعر أو المترجم، ولم أفهم كلمة واحدة مما قيل، إلا أن أحاسيس مختلفة راودتني خلال تلك القراءات الشعرية.

فعندما كان الشاعر يلقي قصيدة غزلية، كنت أشعر بجو الحب والرومانسية، وعندما كان يتحدث عن أمر جاد، فإن عينيه وتعابير وجهه كانت تنقل لنا الشعور الذي كان الشاعر يحاول إيصاله عبر كلماته، فحينما تخفق الكلمات، تفلح المشاعر في التواصل بين البشر.

احتفت برلين كلّها بالأدب الأفريقي، فكانت هناك القراءات الشعرية والمسرحيات، كما عقدت العديد من البرامج الموجهة إلى الأطفال والمراهقين لتعريفهم بالأدب الأفريقي. وفي مساء جميل، رأيت مجموعات من الألمان تحلّقت حول مجموعة من الشعراء (الأجانب) لتتجاذب معهم أطراف الحديث.

وقبل أيام كنت في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب الذي يعد أكبر تظاهرة ثقافية في العالم، وكانت تركيا هي ضيف الشرف هذا العام. وخلال تجوالي في المعرض كانت الموسيقى التركية تحلّق في الآذان في كل ركن من أركانه، وكان الخط العربي أحد أهم القوالب الثقافية التي تفاخر بها الأتراك، على الرغم من أنهم استبدلوا الحروف اللاتينية في لغتهم بالحروف العربية عندما أتاهم أتاتورك وقلب حياتهم رأساً على عقب.

احتفى الألمان في المعرض بالثقافة التركية وقدّموها إلى العالم بطريقة فريدة، واحتفى العالم بتلك الثقافة الغنية التي لم يكن كثير من الأوروبيين يعرفون عنها إلا النذر اليسير، فتساءلت في نفسي عن السبب الذي يدفع الغرب إلى بناء جسور تواصل بينه وبين الآخر؟

ولماذا تبذل الحكومات الأوروبية ومؤسسات غير حكومية جهداً كبيراً في سبيل تعريف شعوبها بثقافة الآخر الذي يخالفها المعتقد والعرق؟ ولماذا تصرف كل هذه الأموال من أجل أن تعرف الشعوب الأوروبية عن الآخر؟ أليس من الأجدر أن يصرف الأوروبيون أموالهم لتعريف الآخر بثقافتهم؟

أعتقد أن تلك الشعوب قد استوعبت تاريخها ومكوناتها الثقافية حتى تشبّعت بها، ثم وصلت مرحلة من التصالح مع النفس جعلتها توقن بأنه من حق بني البشر عليهم أن يذهبوا ويتعرّفوا عليهم، فلربما يكون التاريخ قد رسم صورة سوداوية للآخر لا ذنب له فيها إلا لأنه «آخر». ولربما أن بعضهم يريد أن يكفّر عن ماضي أجداده الدموي تجاه الآخر؟

التقيت في معرض فرانكفورت للكتاب مع مجموعة من الكتاب والروائيين العالميين، وكلما سألت أحدهم عما يعرفه عن الثقافة العربية يقول: قرأت ألف ليلة وليلة، ولكنني أشعر بالخجل إزاء هذه الثقافة العريقة التي لم نستطع؛ بسبب ضعف الترجمات، أن نتعرف إليها عن قرب.

لربما يكون هذا الكلام مجرّد مجاملات، ولكن ما لا شكّ فيه أن الآخر يريد التعرف علينا ونحن ننأى بأنفسنا عن هذه الفرصة، حيث لم يطلق العالم العربي مبادرات لتفعيل التبادل الثقافي بينه وبين مختلف ثقافات العالم بشكل عملي، واكتفينا بحوار الأديان، الذي أعتقد أنه يزيد الفجوة اتساعاً بين الشعوب. فلا نحن بمؤمنين بدينهم، ولا هم بمؤمنين بديننا، وكلّنا يعتقد بأنه على صواب، فلماذا نبحث عن الخلاف ونترك الاختلاف؟

الفرق بينهما، أن الثاني أشمل من الأول، فكلّما زاد اختلاف الألوان كانت اللوحة أكثر إشراقاً، تماماً مثلما تتلوّون أوراق الأشجار في فصل الخريف، أما الخلاف، فإنه كلّما زاد، كلّما تساقطت هذه الأوراق على طريق وعرة لا تنبت فيها الأزهار.

ولكوننا جميعاً من فصيلة البشر، فإن ما يجمعنا أكثر مما يفرّقنا، ولكي نصل إلى هذه الحقيقة، فإنه علينا أن نبحث عما لا خلاف عليه، وعمّا يشكّل كينونتنا ولطائفنا البشرية. كالشعر، والرواية، والفن... كلّ بحسب ما يسمح له معتقده لا بحسب ما يسمح به معتقد الآخر.

إن الآخر في حاجة لنا ونحن في حاجة إليه، ولقد دعانا الله تعالى إلى التعرّف عليه في قوله: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) ولم يقل لتنافروا أو لتباغضوا. ومثلما نعتقد بأن أجداد الآخر كانوا غزاة لأرضنا فإنه يرى أيضاً بأن أجدادنا كانوا غزاة لأرضه، لا تدخل القضية الفلسطينية طرفاً في هذا الحوار، فذاك حقّ مغتصب ولا شأن له بما نقول في هذا المقال وكلّنا يعتقد بأنه على صواب!

إن القبول بالآخر حتى وإن كنا لا نؤمن بما يؤمن به ؟ هو حقّ منحه الله تعالى له بأن خلقه ورزقه، فلو أنه لم يكن جديراً بالحياة لما خُلق. ونحن نعيش اليوم فرصة ذهبية، حيث انتشر في العالم؛ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مفهوم السعي للتعرف على الآخر وسبر أغوار ثقافته، وهي فرصة لا تتكرر إلا مرة كل ألف عام.

فلقد رأيت في أعين أولئك المثقفين في فرانكفورت شوقاً لمعرفة المزيد عنا، ورأيت في أعينهم أيضاً شوقاً لكي نبادر ونمد لهم أيدينا لنسقط جميعاً لافتة «صدام الحضارات» التي أوشكت أن تدمّرنا... وتدمّر الآخر. سألني أحد الأصدقاء، كيف لنا أن نثق بالآخر، فقلت له: «لا نستطيع أن نثق بالآخر حتى نعرفه، ولكن، يكفينا أن نثق بهذه الفكرة».

كاتب إماراتي : yasser.hareb@gmail.com