لم يتبق للرئيس الأميركي جورج بوش في البيت الأبيض سوى شهرين وبضعة أيام ولم يتبق للانتخابات الرئاسية سوى أيام معدودات ليس من المستبعد أن نشهد فيها هزيمة كبيرة للحزب الجمهوري ومرشحه مكين حسب الاستطلاعات.
فالرئيس بوش لم ينجز خلال سنواته الثماني في البيت الأبيض لبلده وللعالم ما سيذكره التأريخ بتقييم إيجابي. ولسنا هنا بصدد استعراض مقارباته الفجة للأزمات فهو ليس المسؤول الوحيد عن ذلك، فالفاشل الحقيقي هي الإستراتيجية الأميركية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة والتي انتهجها الحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة وكان من نتائجها سيطرة التيار المغرق باليمينية على القرار السياسي الأميركي طيلة السنوات الثماني المنصرمة مما حدا بالكثيرين إلى التخلي عن تأييد الحزب الجمهوري.
ولعل إعلان كولن باول وزير الخارجية السابق والقائد الأسبق للجيش الأميركي بالتخلي عن الحزب الجمهوري والانضمام إلى معسكر المرشح الديمقراطي لن تكون آخر صفعة تتلقاها إدارة بوش قبل رحيلها. ويكفي للتدليل على عزلة هذه الإدارة التذكير بما أشارت إليه وسائل الإعلام الأميركية بناء على استطلاعاتها بأن الرئيس بوش هو الأقل شعبية في تاريخ الولايات المتحدة.
شنت الولايات المتحدة خلال فترتي بوش حربين كبيرتين تحت مسمى مكافحة الإرهاب وجعل العالم أكثر أمناً بإزالة الأنظمة التي تدعم الإرهاب أو تسعى إلى اقتناء أسلحة التدمير الشامل. وهكذا دخلت قواتها كابول ثم بغداد بسهولة تامة بسبب التفوق الهائل في قدراتها إلا أن معالجة تداعيات هذان التدخلان ربما أصبحت تفوق قدرات الولايات المتحدة.
فقد فشل حلف الأطلسي في إنهاء المقاومة المسلحة الأفغانية التي تسعى لإسقاط حكومة قرضاي الموالية لواشنطن، وليس سعي الأخير لتوسيط بعض الجهات العربية لإيجاد آلية للتفاوض مع طالبان وإن بدا كأنه مقاربة حضارية للخلافات مع المعارضين لحكومته سوى تعبير عن أزمة حقيقية تعاني منها هذه الحكومة. وغني عن البيان إن ذلك لم يتم من غير ضوء أخضر أميركي رغم تصريحات مسؤولين أميركيين بأنه لا تفاوض مع حركة طالبان.
وهنا لنا أن نتوقف قليلاً ففتح الحوار مع حركة طالبان المتهمة بممارسة الإرهاب والمصنفة بالقرب من تنظيم القاعدة ليس في الحقيقة تغير في استراتيجية المواجهة مع الجهات المعادية لواشنطن وإنما عجز عن الاستمرار بالتمسك بها. فعلى مدى السنوات الست الماضية منذ غزو أفغانستان كان لدى واشنطن جدول زمني لزيادة قوات الناتو في أفغانستان وليس تقليصها كما يفرض المنطق.
وهذه معادلة تورط وليس معادلة انفراج. فرغم أن هذا الحلف هو أقوى منظمة عسكرية في العالم ولديه ما لا يقل عن مليوني جندي وفي حوزته موارد عسكرية ولوجستية عملاقة إلا أنه يواجه الفشل رغم التزايد المستمر في أعداد قواته هناك.
ويأتي التعثر الآخر في العراق فها هو الوضع كما يبدو بعد مرور أكثر من خمس سنوات على سقوط النظام السابق غير مستقر، وبكلمات المسؤولين الأميركيين أنفسهم، فإن التحسن الأمني الذي شهدته المدن العراقية مؤخراً قد لا يدوم طويلاً وذلك لأن الأجندة السياسية للفرقاء العراقيين لا تزال متباعدة.
وما نشهده منذ أيام من قتل وتهجير وتصفيات تصل إلى مستوى التطهير العرقي للأقلية المسيحية الوديعة التي تسكن مدن وقصبات محافظة نينوى منذ آلاف السنين إلا دليلاً ساطعاً على الفشل الأميركي في إعادة بناء الدولة العراقية وأجهزتها الأمنية. فالعنف قد يعود والحرائق قد تتجدد في أية مدينة عراقيةً خاصة وأن نفوذ دول الجوار ليس أقل عن ذي قبل.
وليس من المستبعد أن تتحول الهمسات في أروقة البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية إلى أصوات مرتفعة تعلن بأن الحرب في العراق لا يمكن كسبها كما أعلن قبلهم بعض قادة حلف الأطلسي بشأن صعوبة كسب الحرب في أفغانستان.
وقد تسربت بعض المعلومات التي تفيد بذلك عن مسؤولين كبار في مجلس الشيوخ الأميركي ممن أطلعوا على التقرير الأخير الذي أعده مجلس المخابرات الوطني الأميركي الذي يتكون من ست عشرة وكالة مخابرات والذي لم ينشر بعد، والحقيقة أن هذه النتائج المخيبة لآمال الإدارة الأميركية تدعو لوضع تساؤلات عن الأسباب التي تكمن خلف هذه الكبوات؟.
دأبت واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة على انتهاج سياسات انفعالية يغلب عليها الارتجال ولا تنبع من استراتيجية تعبر عن احترام لشعوب العالم وتقيد بالقوانين الدولية. فالحرب في أفغانستان قد جاءت بشكل انفعالي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فإدارة الرئيس بوش لم تلجأ إلى مطاردة قوات القاعدة التي أعلنت مسؤوليتها عن تلك الأحداث باللجوء إلى القوانين الدولية في مكافحة الإرهاب.
ولم تعط ما يكفي من الوقت للجهود الدبلوماسية لاستمالة حركة طالبان وتحييدها في الصراع بل فضلت الذهاب إلى الحرب في خطوة خرقاء تتعارض تماما مع القوانين الدولية وكأنها تناست التجربة السوفييتية المريرة في ذلك البلد الذي لا يرحب بالغازي.
أما الحرب في العراق فهي لسبب آخر تكمن جذورها في قانون تحرير العراق الذي أصدره الكونغرس الأميركي عام 1998 في عهد الرئيس كلينتون وهي وأن كان ظاهرها التصدي للتهديد الذي يشكله العراق على جيرانه بامتلاكه لأسلحة التدمير الشامل إلا أن الدافع الحقيقي لها هو الهيمنة على مصادر الطاقة في العالم والعمل على استخدامها في التحكم في فرص دول أخرى في طريقها للتحول إلى قوى عظمى تنافس الولايات المتحدة.
وتأتي ثالثة الأثافي لتفقد الرئيس الأميركي ما تبقى من رشده وتنهي تردد آلاف الناخبين الأميركيين في اتخاذ القرار بشأن المرشح المناسب للرئاسة الأميركية، وهي الانهيارات في المؤسسات المالية الأميركية وما سببته من تداعيات لا تقل خطورة على اقتصاديات العالم أجمع. وهذه الكارثة لم تكن لتحدث بهذه الضخامة لولا السياسات الهوجاء غير المسؤولة التي انتهجتها الإدارة الأميركية.
فمن المعلوم إن النظام الرأسمالي قادر على صناعة أزمات خطيرة جداً كما حدث في عام 1929 وكما يحدث الآن، وهي أزمات قد تكون ذات طبيعة دورية كما يبرر ذلك من لا يرغب في الإقرار بخلط فلسفة الاقتصاد الحر، إلا أن أزمات بالحجم الذي نشهده الآن ما كان لها أن تحصل بمعزل عن سياسات إدارة الرئيس بوش التي ضاعفت ديون الدولة الأميركية.
كان العالم يأمل مع نهاية الحرب الباردة أن تتضاءل بؤر التوتر وتتراجع إلى الوراء قعقعة السلاح ويخطو العالم نحو المزيد من الرخاء وهو ما لم يحصل. فقد تميز كلا العقدين المنصرمين بطغيان الولايات المتحدة وإنفرادها بمعالجة مشاكل العالم بعنجهية رعاة البقر وتميز بزيادة الاتجاه نحو العسكرة جنباً إلى جنب تقزيم المنظمات الدولية كالأمم المتحدة.
وتعزيز هيمنة المؤسسات المالية الغربية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي على اقتصادات الدول الفقيرة عن طريق فرض سياساتهما المالية التي تستند إلى فلسفة الاقتصاد الحر وإضعاف دور الدول في السيطرة على المؤسسات الاقتصادية كشرط لتقديم القروض لها مما ألحق أبلغ الأضرار بها وجعل اقتصادتها مرهونة بإرادات المصارف الكبيرة في الوول ستريت.
كاتب عراقي :ajamal@emirates.net.ae