في هذا العصر الإلكتروني، ونحن نعيش في دولة انتقلت بسرعة صاروخية من العصر الورقي إلى العصر الرقمي، ونجحت في تخطي الحاجز الزمني في هذه المدة الانتقالية دون عناء يُذكر في كثير من الجهات والمؤسسات، لا تزال بعض مؤسساتنا الكبرى تعاني من وجود موظفين يتمسكون بإرثهم التقليدي القديم في التعامل الروتيني، وفي توصيل المعاملات ورقيا بالبريد العادي، وذلك في أمور من الممكن أن تتم عن طريق البريد الإلكتروني، دون ورق أو انتظار أو جهد أو أي شيء آخر.
لقد شهدتُ بنفسي حالة تعطل شخص في معاملة ما لأنه كان ينتظر ؟ لمدة ربع ساعة - وصول ورقة »بالفاكس« من مكتب لآخر في المؤسسة ذاتها، ولو أنه ذهب بنفسه وأحضر الورقة شخصيا باليد لما استغرق كل ذلك الوقت من الانتظار والملل، علما بأن الربع ساعة حُسبَت من لحظة إرسال الورقة بالفعل بالفاكس من المكتب الأول حتى وصولها فعليا للمكتب الثاني الذي يبدو أن العمر الافتراضي لجهاز الفاكس عنده قد انقضى منذ زمن بعيد!.
. في هذا الموقف بالذات لم تكن الورقة على ذلك القدر من الأهمية، بحيث يتعطل أكثر من شخص في انتظار وصولها الميمون، إذ كانت تكفي مكالمة تلفونية لا تتجاوز سؤالا وجوابا كي يُختصَر كل وقت الانتظار والتعطيل ذاك، لكن حرفية الموظف الذي لم يعط نفسه فرصة اتخاذ قرار بسيط كهذا، وتمسكه بالنمط الذي اعتاد أن يعمل وفقه لمدة سنوات سابقة قبل العصر الرقمي، جعلت موضوعا بسيطا كهذا يبدو في غاية التعقيد، لأن ورقة »الفاكس« لم تصل!!
على صعيد آخر، نجد بعض الموظفين يتلذذون بممارسة حقهم في السلطة ؟ المشوّهة، وهذه في رأيي حالة مرضية لا تعبر إلا عن إحساس هذا الموظف بنقص ما، يحاول تعويضه نفسيا من خلال ممارسات سلبية في بيئة العمل، تعطل الآخرين، وتشوه صورة المؤسسة أمام المراجعين والمترددين عليها، ولا تضيف له شيئا إلا تضاعف إحساس الآخرين نحوه بالنقمة.
إن الكلام الذي يُقال في سياقات كهذه يتخذ ـ عادة ـ من اللوائح والقوانين مشجبا يعلق عليه هذا الموظف المتعنّت رغبته في ممارسة دورا روتينيا ألفه منذ سنوات؛ إذ كثيرا ما نسمع في حالات يتم فيها تأخيرنا أو تعطيلنا دون سبب مقنع من أشخاص كهؤلاء عبارات مثل »نحن نلتزم بالقوانين«، أو »هذه مؤسسة محترمة.
ولها قوانين تحكمها، ويجب عليك احترام هذه القوانين«، أو نسمع دروسا في أهمية اللوائح والقوانين في ضبط العمل، وفي حفظ الحقوق والأولويات بحسب ما يراه القانون، لا بحسب أهواء الناس، وغير ذلك، كأننا لا نعرف كل هذا، أو كأننا أوقفنا أعمالنا وأشغالنا كي نحضر درسا في أهمية القوانين التي لم نطالب قط بمساسها، أو بالتعرض لها، لكننا طالبنا بالتحرر من الروتين، وبأن يفسح بعض الموظفين المجال لعقولهم للتنفس بالتفكير والتقدير قليلا.
التمسك بالروتين،.. التعامل مع اللوائح والقوانين ببغاوية بلهاء، أقرب إلى الغباء منها إلى الانضباط والالتزام،.. التشدد حين لا تكون للتشدد ضرورة،.. والتطرف في تطبيق بنود اللوائح بحرفية تلغي العقل والتفكير، كل هذا يُعد ـ في رأيي- سبب تراجع كثير من أوساط العمل في مجتمعنا، وهو يعني ؟
بشكل آخر- تقدمنا الشكلي، على مستوى استخدام التقنيات الحديثة والرقمية، لكنه يبطن تراجعنا على المستوى الفعلي والعملي، حيث لا يزال كثيرون بيننا ؟في بيئات عمل كثيرة ممتدة على مختلف إمارات الدولة- يفكرون بالذهنية التقليدية السابقة، ولم يتمكنوا من التخلص من كل ما تراكم خلال العقود الماضية من آليات تنفيذية تعرقل سير العمل والمراجعين.
لا يعني هذا النقد الموجه، تحديدا، لمن يتعاملون مع القوانين واللوائح بشكل روتيني أن يضرب الجميع بعرض الحائط بما بين أيديهم من لوائح تنظم العمل وتضبط حركة الموظفين والمراجعين، ولكنها دعوة لأن يستعمل كل شخص الجزء الذي يعود في نهاية الأمر لتقديره، لأن وجوده في مكان عمله يعني أنه شخص مؤهل لأن يفكر ويقدر، ثم يتخذ القرار المناسب لتسهيل الأمور، لا لتعقيدها وتعسيرها.
وأظن أن تيسير أمور الآخرين - مع الالتزام باللوائح والقوانين- ليس أمرا صعبا أو عسيرا، لكنه عزيز المنال في كثير من الدوائر والمؤسسات.
الذي يلفت النظر هو أن بعض الأشخاص الذين يظهرون احتراما فائقا للوائح والقوانين ؟ ويظهر ذلك في الالتزام بها بشكل أعمى، والتأكيد على ذلك في كل جملة يتفوهون بها- يهملون كثيرا احترام الإنسان »المراجع« الذي يقف أمامهم، ولا ينتبهون إلى أنهم يكادون ينحنون إجلالا واحتراما لكلام صيغ بأنامل بشرية، نتيجة تفكير بشري أيضا، في حين أنهم يوغلون في الحط من شأن الإنسان الذي يخاطبهم، وكأن الإنسان الذي صاغ القانون والإنسان الآخر »المراجع« من طينتين مختلفتين.
هذه الازدواجية في النظر إلى الأمور، وهذه الطريقة في التنصل من الدور الطبيعي للإنسان الذي يجدر به أن يستخدم عقله في كل شيء، وهذه الرغبة في التستر بقناع اللوائح والقوانين لإخفاء النوايا الحقيقية الكامنة خلف كل هذا التشدد والتطرف في استخدام اللوائح، كل هذا يجعل من سعينا الحثيث نحو العالم الرقمي أشبه بالجري خلف السراب، لأن هناك من يبني بحماس، وهناك من يهدم في الوقت نفسه بأعصاب مثلجة، يدمر بهدوء ؟
وباسم اللوائح والقوانين- ما تسعى جهات أخرى لبنائه في وقت قياسي، ينقلنا نحو عوالم أكثر إشراقا، تليق بنا ونليق بها، بشرط أن نتخلص من بعض الذهنيات التي لا تريد أن تتحرر من تقليديتها الوظيفية، ومن عبوديتها للروتين في أقبح صوره. ولا أعرف كم من الوقت سنحتاج حتى ننجح في التخلص من وجود مثل هذا النوع من الموظفين في مؤسساتنا.
بالإضافة إلى نوع آخر لم تتطرق إليه هذه المقالة، وهو ذلك النوع الذي يملك القدرة على إعادة صياغة بند في اللائحة الموجودة بين يديه في كل موقف بما يتناسب مع ميوله ورغباته فيه، بحيث لا يتردد في تقديم رأيين متناقضين في موقفين مختلفين، طالما أن مصلحته تقتضي ذلك، وهو في كل مرة يلوذ باللوائح والقوانين ليدعم رأيه، مستندا إلى مهارته الفائقة في الاجتهاد والتأويل، وهي فئة تحتاج لوقفة خاصة في سطور قادمة.
جامعة الإمارات