عاد الجدل من جديد يدور حول سؤال إمكانية انضمام روسيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، فقد قال رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني لدى وصوله إلى بروكسل التي احتضنت اجتماعا لزعماء بلدان الاتحاد الأوروبي يوم الأربعاء الماضي إنه يرى إمكانية أن تنتسب روسيا إلى العضوية الكاملة للاتحاد الأوروبي في غضون الأعوام القليلة المقبلة.
ورأى مراقبون كثيرون تتبعوا اجتماع قمة الاتحاد الأوروبي أن ذلك لا يزال أمرا بعيد الاحتمال بدليل أن الاتحاد الأوروبي لم يقرر استئناف المباحثات المتعلقة بإعداد اتفاقية جديدة للشراكة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي وروسيا بعد، وهي المباحثات التي جمدها الاتحاد الأوروبي بعد أن أوقفت روسيا غزو القوات الجورجية لإقليم أوسيتيا الجنوبية في القوقاز في شهر أغسطس من العام الجاري.
ويرى البعض أن ما قاله برلسكوني يعكس انشقاقا داخل الاتحاد الأوروبي ارتسمت ملامحه مؤخرا، وأن أعضاء الاتحاد الأوروبي القدماء، وبالأخص إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وحتى ألمانيا، مستعدون للتعاون مع موسكو في حين ينفر أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدد في شرق أوروبا من الشراكة مع راعيهم السابق - روسيا السوفييتية - سائرين في ركاب السياسة الخارجية الأميركية.
وقال الخبير الإيطالي امانويل فكريلا إنه يعتبر ما قاله برلسكوني بمثابة الدليل على رغبة بعض بلدان الاتحاد الأوروبي لتقوية ودعم العلاقات مع روسيا، خاصة دول أوروبا الكبيرة التي ترى في وجود روسيا معهم داخل الاتحاد دعما سياسيا واقتصاديا وأمنيا كبيرا لأوروبا .
ولكن هل تسعى روسيا أو حتى توافق على الانضمام للاتحاد الأوروبي؟
لقد طرح هذا السؤال من قبل في منتصف التسعينات من القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكانت الأحوال داخل روسيا غاية في السوء والانهيار، وكان الشعب الروسي الخارج من الإغلاق السوفييتي يحلم بالسفر لأوروبا، ورغم هذا لم يلقى أمر عضوية روسيا في الاتحاد الأوروبي قبولا على المستويين الرسمي و الشعبي أيضا.
وذلك لأن روسيا رأت أنها مطالبة مقابل ذلك الأمر بدفع ثمن كبير، قد يكون على حساب وجودها وكيانها كأمة ودولة كبيرة، إذ كان عليها أن توافق على خروج بعض الأقاليم من الاتحاد الروسي مثل الشيشان وغيرها، باعتبار أن الاتحاد الأوروبي كان يؤيد في الخفاء استقلال هذه الأقاليم عن روسيا.
كما كان عليها أن تتنازل عن ترسانتها العسكرية الكبيرة وخاصة النووية منها وتقلصها إلى أقصى درجة، وعليها أن ترفع كافة الحواجز عن اقتصادها وتجارتها الخارجية بالشكل الذي من الممكن أن يزيد أزماتها ويزيد من فقر شعبها، وكان عليها أن تفتح حدودها تماما للأوروبيين دون قيد أو شرط، وغير ذلك من الأمور التي جعلت روسيا لا تفكر في هذه المسألة آنذاك.
الآن يتحدثون عن إمكانية انتساب روسيا لعضوية الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي تنهض فيه روسيا وتستعد لاستعادة مكانتها ودورها على الساحة الدولية، وتبرز في نفس الوقت على الساحة الدولية من جديد كعملاق اقتصادي وعسكري وسياسي مؤهل لتحقيق التوازن في موازين القوى الدولية، فهل يعقل أن تقبل روسيا هذه العضوية التي رفضتها وهي ضعيفة ومنهارة ؟، وهل تقبل أن تتساوى مع أية دولة من دول البلطيق الصغيرة أو بولندا وتشيكيا وغيرها من الدول التي تستخدمها واشنطن لمضايقة روسيا .
والسؤال الأهم هو، هل يستطيع الاتحاد الأوروبي استيعاب دولة بحجم روسيا وإمكانياتها ؟
لقد صرح مندوب روسيا لدى الاتحاد الأوروبي فلاديمير تشيجوف للصحافيين في بروكسل بأن روسيا لا تسعى لعضوية الاتحاد ألأوروبي وليست بحاجة لهذه العضوية، وأنها فقط تريد إقامة علاقات شراكة وتبادل مصالح مع الاتحاد في مختلف المجالات .
حقيقة الأمر أن روسيا تتطلع لمكانة دولية أكبر بكثير من أن يستوعبها الاتحاد الأوروبي، واهتماماتها الجيوسياسية الدولية والإقليمية في أوروبا وآسيا وباقي قارات العالم لا تتفق مع قواعد وقوانين الاتحاد ألأوروبي الذي تتساوى فيه أصغر الدول مع أكبرها في حق «الفيتو»، وهو الأمر الذي سيعوق بالقطع تطلعات روسيا لاستعادة مكانتها العالمية .
كاتب ومحلل سياسي روسي