كل الجهود المبذولة من أجل تكوين أرشيف وطني ضخم وكبير يحتضن انجازات البلاد ومسيرتها الحضارية وبطولات رجالها ونسائها في هذا الجانب، هي جهود ثمينة ومباركة، وتأثير عملها سوف يتحول إلى انجاز مرحلي مهم، حينما تأتي أجيال المستقبل لتفتح دفتر هذا الأرشيف لتقرأ قصص البطولات الحضارية، وتغوص في أعماق تاريخ وطنها.
نحن في الإمارات تأخرنا كثيراً في هذا الشأن، ونحن كجيل الوسط، بين الآباء والأجداد الذين كافحوا الكفاف وبين جيل أبنائنا الذين ينعمون في نعيم دولة الاتحاد، تعرضنا للشتات في ذاكرتنا نتيجة غياب مثل هذا الأرشيف الوطني الضخم، وإلى اليوم إذا ما أراد أحد منا ان يلقي بنظره إلى الوراء لا يجد إلا الشتات، حيث تتبعثر المعلومة التاريخية عن البلاد هنا وهناك، ويقع الفاحص بين اختلاط المعلومات والروايات المختلفة والمصادر الأصيلة والمبتورة، وتلك المكتوبة بأقلام وطنية وأخرى مكتوبة بأقلام غريبة عن المكان.
هناك تاريخ سياسي للبلاد طويل وعريض، لكنه مبعثر بين الكتب الأكاديمية والمدونات والمراجع التي لا تتوفر في أي مكان، وهناك تاريخ اجتماعي واقتصادي وثقافي، وهناك مراحل جديدة مر بها تاريخ البلاد المعاصر، وهناك شخصيات مهمة في سيرتها الذاتية ما يرفع الرأس وما يبرز الفخر، وهناك كنوز لا عد لها ولا حصر هي في النهاية تعكس هويتنا ومنجزنا البشري.
ان يتوفر هذا ويصبح حاضراً في كل مكان، وان تجمع هذه الكنوز وهذه المعرفة المهمة سواء من خلال أرشيف وطني ضخم أو حاضنات لجزئياته واختصاصاته، وان تتوفر معطياته ويسهل الوصول إليها والحصول عليها فهذا انجاز عظيم ومهم، أيضاً ان نضع هذا الكنز الوطني في إطار الأرشفة الحديثة ووسائلها التقنية المختلفة سيجعلها حاضرة ومؤثرة.
لهذا فان كل الجهود والأفكار والمشاريع الوطنية التي تذهب اليوم نحو احتواء تلك الكنوز وتلك المعارف وجعلها مادة حاضرة في الحياة اليومية، جهود مباركة ومثمنة وتفرضها الحاجة الماسة لتأكيد الحس الوطني.
أبناؤنا وبناتنا الذين تتلقفهم اليوم مغريات العصر الحديث، وتجتاجهم الثقافات من كل صوب مع رياح العولمة ومع سياسات الانفتاح، أجيال المستقبل هم في أمس الحاجة لهذا السند التاريخي المهم الذي يربطهم بماضي بيئتهم وثقافتها ومنجزها عبر الزمن، وإذا كانت الجهود تنصب الآن للملمة الأوراق والوثائق وحصر المشاهد الزمنية التي مرت بها البلاد وأهلها في مسيرتهم نحو النهضة الحديثة، فان الأمر لا يخلو أيضاً من الحاجة إلى جملة من البرامج والمشاريع التي يتوجب ان تسير بجانب جهود الأرشفة، ومنها أساليب عرض هذا الأرشيف وإبرازه والتقنية الحديثة كفيلة بإعطائنا بدائل لا حصر لها ولا عد.
