يبلغ عدد سكان الباكستان 165 مليون نسمة وهي تمتلك السلاح النووي ومجاورة لأفغانستان التي تعيش في حالة حرب .وهي تشهد اليوم، كما تدلّ المؤشرات المقلقة المتواترة أزمة متعددة الوجوه لا أحد يعرف معها كيف ستستقر الأوضاع فيها في المرحلة المقبلة.
كان الرئيس الجديد آصف علي زرداري، زوج بنازير بوتو التي اغتيلت يوم 27 ديسمبر 2007، قد وصل إلى السلطة يوم 6 سبتمبر ـ أيلول الماضي ليكون الرئيس الثالث عشر لجمهورية الباكستان الإسلامية.لقد خلف الجنرال برويز مشرّف الذي استقال في منتصف شهر أغسطس ـ آب حيث كان يواجه إجراءات ترمي إلى عزله. كان رئيس الدولة الجديد معروفا حتى انتخابه بملاحقة العدالة له في العديد من القضايا في بلاده الباكستان ولكن أيضا في بريطانيا وسويسرا والولايات المتحدة .
و كان قد أمضى 11 سنة في السجن على أساس عمليات فساد مختلفة، أكثر مما كان معروفا كمسؤول سياسي.لكن ينبغي القول أن مراسم نقل السلطة له من سابقه قد تمّت في إطار احترام القواعد الدستورية دون مقاومة القوات المسلّحة التي كانت حكمت البلاد مباشرة أكثر من 32 سنة منذ تأسيس الباكستان عام 1947. مع ذلك قد يمكن القول أن هذا المظهر الشكلي ربما هو الخبر الجيّد الوحيد القادم من هذه البلاد .
كذلك قد يكون من المشروع أن يشك المرء حول واقع كون آصف زرداري هو الرجل الأكثر تأهيلا للإجابة على التحديات الضخمة التي تواجهها بلاده؛ وعلى رأسها التفجيرات المتكررة كل فترة بإيقاع قد يزيد أو ينقص والعنف السياسي وتوسع مناطق المعارك و»المناطق الرمادية« الخارجة عن سلطة الدولة والصعود الكبير للمجموعات المتطرفة والتوترات المتجددة باستمرار مع الهند حول الملف الشائك الخاص بكشمير وتدهور الوضع الاقتصادي ـ الاحتياطي المالي الباكستاني المكرّس للمبادلات التجارية هو أقل من 6 مليارات دولار.
أي ما يعادل قيمة الواردات لشهرين فقط وكان التضخّم يبلغ 24 بالمائة في شهر يوليو، تموز الماضي ـ وبؤس الباكستانيين الذين يعيش نصفهم بمعدّل دولارين في اليوم...هذه المعطيات تبيّن صعوبة المهمّة في الوقت الذي يزداد فيه الوضع خطورة بسبب تناقص المساعدات التقليدية من الولايات المتحدة.
ثم إن قرار الرئيس بوش في شهر يوليو الماضي السماح بضربات ضد طالبان في الأراضي الباكستانية باسم »حق الملاحقة« هو قرار يثير القلق على الأقل.وعمليات القصف التي استهدفت قادة طالبان والقواعد المفترَضة للقاعدة في المناطق القبلية الباكستانية كان لابد من أن تثير غضب الباكستان. كانت الرسالة الأميركية واضحة وهي أنه إذا كانت إسلام أباد غير قادرة على إنهاء قواعد طالبان في أراضيها فواشنطن سوف تتولّى المهمّة بنفسها. هذا مرّة أخرى مع الازدراء الكامل للقانون الدولي.
مثل هذا القرار خطير وغير مسؤول .فضحايا عمليات القصف العمياء لا تأجج حقد الباكستانيين ضد القوى الغربية وخاصة الأميركية فحسب،ولكن أيضا حيال الوحدات العسكرية الباكستانية التي تحاول منذ أشهر استهداف قواعد طالبان حيث تفقد أكثر فأكثر من اعتبارها إذ تبدو في الواقع كقوّات ملحقة بالولايات المتحدة .
إن الرئيس آصف زرداري يجد نفسه في موقف حرج فهو لا يستطيع أن يدين صراحة عمليات القصف الأميركية خشية فقدان المساعدة العسكرية والمالية لواشنطن وهو بأمسّ الحاجة لها .ولكن الإفراط في ممالئة الولايات المتحدة،التي يُنظر لها كمعتدية، سينتهي إلى اعتباره الرجل المطلوب حذفه.
هكذا يغدو الوضع وكأنه بلا مخرج ويبدو أن الإصرار على شن حرب شاملة ضد الإرهاب، دون النظر إلى تباين المعطيات على الأرض، سوف يؤدي إلى أسوأ الكوارث .مع ذلك لا بد من الاحتفاظ في الذهن ببعض الأسس الجيوستراتيجية للوضع الباكستاني إذ من المستحيل بدونها التوجّه الصحيح .
في المقام الأول ينبغي إدراك أن خط الحدود بين الباكستان وأفغانستان، خط »دوراند« الذي رسمه البريطانيون في نهاية القرن التاسع عشر، يشطر بشكل تعسفي الباشتون الذين لم يعترفوا به أبدا.ثمّ إن القوات الغربية قد تكرر التجربة المرّة التي كان السوفييت قد عرفوها قبلها. والمناطق الباشتونية هي شبه مستقلّة في الواقع وتحكمها تقاليدها وليس الدستور الباكستاني.
هذا الواقع يمكن تفسيره بالضعف البنيوي للدولة الباكستانية التي لم تتوصل منذ قيامها عام 1947 إلى الارتقاء فوق الهويات الاتنية (الباشتون والبنجاب والبالوتش والسنديين...) وخلق هوية وطنية حقيقية.وقد أبدت السلطة المركزية باستمرار حذرها حيال الميول »الانفصالية« لدى هذه المناطق دون أن تستطيع إنهائها أبدا.وأخيرا يبقى المعطى الاستراتيجي الثابت الأكثر أهمية هو بلا شك العلاقات التنازعية مع الهند.
إن الباكستان تعيش خوفا مستمرا من الحصار : في الشرق من قبل الهند ـ هذا الخوف تنامي بسبب التقارب القريب بين واشنطن ونيودلهي ـ وفي الغرب من قبل أفغانستان والباشتون إذا اتّحدوا. لذلك اعتبر القادة الباكستانيون باستمرار أنه من الضروري السيطرة على أفغانستان أو استخدامها كأداة فهي تمثّل عمقا استراتيجيا حيويا بنظر الباكستان في حالة نشوب حرب مع الهند.
هكذا قامت بنازير بوتو خلال سنوات 1994 ـ 1995 عندما كانت في السلطة بدعم طالبان الذين كانوا يوفرون ميزتين. الأولى هي أنهم أساسا من الباشتون أسياد كابول وبالتالي لن يطالبوا بإقامة »باشتونستان«؛ والثانية إنهم إسلاميون وبالتالي غير قوميين نظريا.هذا ومنذ 11 سبتمبر لا تكفّ واشنطن عن مطالبة إسلام أباد بإنهاء »صنائعها«.إنها مهمة شبه مستحيلة كما يبدو خاصة أن الأجهزة الاستخباراتية الباكستانية القوية تقيم روابط عديدة مع طالبان وليست مستعدة لمحاربتهم.
في المحصّلة إذا لم تأخذ الولايات المتحدة، وخاصة الرئيس القادم، بعين الاعتبار هذه المعطيات الاستراتيجية، فإن أميركا لن تصل إلى غاياتها على الحدود الباكستانية ـ الأفغانية بينما تغامر أيضا بفقدان حليفها الباكستاني.
كاتب ومحلل سياسي – فرنسي