من المفيد في رأيي أن ننظر إلى ما حدث من انهيار في الشهر الماضي لبعض المؤسسات المالية الأميركية الكبرى، وما يهدد به من أزمة عميقة في الاقتصاد الأميركي، في سياق تاريخي طويل المدى، وأعني على الأخص أن نقارن بين الظروف التي حدثت فيها الأزمة الاقتصادية الشهيرة في ثلاثينات القرن الماضي.

وظروف الأزمة الحالية، وأن نبحث عن الدروس التي يمكن أن نستخلصها من هذه المقارنة. لقد بدأت أزمة الثلاثينات بدورها، بانهيار بعض المؤسسات المالية الأميركية في سنة 1929، وكان هذا في أعقاب عقد رائع (هو عقد العشرينيات) من النمو الاقتصادي السريع في العالم الغربي (وليس في أميركا وحدها)، ومن التفاؤل بمستقبل اقتصادي وسياسي باهر في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918).

ليس هناك حتى الآن، اتفاق كامل بين الاقتصاديين حول السبب الأساسي الذي فجّر أزمة 1929، ولكن هناك اتفاقا على شيء واحد على الأقل، هو أن من العوامل التي ساعدت على حدوث تلك الأزمة شيوع موجة من التشاؤم بين رجال الأعمال، والشعور بأن رخاء العشرينات لن يستمر. ساد توقع الانخفاض في الطلب والإنفاق وفى مستوى الأرباح، فضعف الحافز على الاستثمار، وإذا بضعف معدل الاستثمار يؤدي بالضبط إلى ما كانوا يخشونه: أي انخفاض الطلب والإنفاق ومن ثم انخفاض مستوى الأرباح، فزيادة أعداد المتبطلين، وإغلاق المصانع وبالتالي انخفاض أكبر في الطلب والإنفاق.. الخ

من الطبيعي أن يتوقع المستثمرون (أو المستثمرون المحتملون) أن يكون للنمو السريع نهاية وأن تأتى بعد فترة الإنفاق العالي فترة من قبض اليد عن الإنفاق، وأن التقدم التكنولوجي السريع وتتابع ظهور فرص مجزية للاستثمار، لابد أن يعقبهما تراخ في هذا وذاك.

هذا هو بالضبط سبب اعتقاد الاقتصاديين في وجود «دورات اقتصادية»، فلا يستمر الرخاء إلى الأبد ولا الكساد، بل يتخذ التطور الاقتصادي صورة دورات من الكساد والرخاء، وإن كانت هذه الدورات تحدث حول اتجاه صاعد في المدى الطويل، فلا نكون في نهاية القرن أو نصف القرن في نفس الحال الذي بدأنا منه، بل عند مستوى أعلى.

ولكن حدث في منتصف الثلاثينات، أي أثناء احتدام الأزمة وشيوع الكساد أن ظهر كتاب مهم، أصبح من أهم كتب الاقتصاد في القرن العشرين، وهو كتاب الاقتصادي الإنجليزي الشهير جون مينارد كينز (النظرية العامة في العمالة وسعر الفائدة والنقود ـ 1936) الذي حلل فيه الأسباب التي تدعو إلى حلول الكساد وانتهائه، كما قدم فيه توصياته بالسياسات التي يجب اتباعها للخروج من حالة الكساد والبطالة. وكانت هذه السياسات تدور حول ضرورة تدخل الدولة بزيادة الإنفاق العام والتحكم في أسعار الفائدة.

كان كينز بهذا الكتاب يعارض الرأي الشائع وقتها بأن قوى السوق كفيلة بتصحيح نفسها بنفسها، وألا داعي لتدخل الدولة لمحاربة الكساد. وقد أقنع كينز الجميع (أو تقريبا أقنعهم جميعا)، وأخذت الدول الرأسمالية في الغرب بتوصياته، وسادت سياسة تدخل الدولة في الاقتصاد وأتت بالثمرات المرجّوة وهى نمو مرتفع، ورخاء متزايد، وعمالة كاملة طوال فترة تقرب من ثلاثين عاما، هي التالية للحرب العالمية الثانية.

ثم حدث في منتصف السبعينات ما أدى بالاقتصاديين إلى التمرد على السياسات الكينزية والدعوة إلى العودة من جديد إلى الاعتماد على قوى السوق وحدها، والتخلص من القيود المفروضة على الشركات والمشروعات الخاصة. هذا التمرد على الكينزية أتخذ أوضح صورة له (في الكتابات النظرية) في كتابات الاقتصادي الأميركي الشهير ميلتون فريدمان (الذي توفي منذ ثلاثة أعوام)، كما ظهر في الواقع في السياسات المقترنة بالرئيس الأميركي ريجان ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر. وما زالت هي السياسات السائدة حتى الآن.

لم يكن هذا الخروج على الكينزية بسبب فشل السياسات الكنيزية، بل كان في رأيي بسبب ما حدث من تطورات تكنولوجية منذ أواخر الستينات من القرن الماضي، وعلى الأخص الثورة التكنولوجية في وسائل المواصلات والاتصالات وطرق تخزين ونقل المعلومات. والظاهر أن أي ثورة تكنولوجية كبيرة لابد أن تستتبع تمرد المشروعات الخاصة على أي درجة عالية من التدخل الحكومي الذي يكبلها بالقيود ويكبح جماحها.

المشروعات الخاصة في ظل الثورة التكنولوجية الجديدة تريد أن تقفز فوق حدود الدول، أي مزيدا من العولمة، ولو أدى هذا إلى الاستثمار في الخارج بدلا من الداخل، وتريد أن تفرض أساليب الإنتاج الجديدة على عمالها في الداخل ولو أدت إلى ارتفاع مستوى البطالة، وتكره أن تتدخل الحكومة بوضع العراقيل في طريقها، سواء في الانتقال بين دولة وأخرى.

أو في طريقة تعاملها مع العمال أو المستهلكين. نجحت هذه الدعوة نجاحا باهرا (من الناحيتين الاقتصادية والتكنولوجية على الأقل) خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين (وإن كان لها ثمن فادح اجتماعيا). أقصد بهذا الدعوة إلى إلغاء القيود الحكومية على المشروعات الخاصة، والى الخصخصة والتخلص من القطاع العام.

ولكن يبدو أنه لابد أن يكون لهذا أيضا آخر، وأن هذا النمو السريع في الاقتصاد والتقدم التكنولوجي لابد أن يعقبه شعور بأن هذا النمو وهذا التقدم لا يمكن أن يستمرا إلى الأبد. بل وقد تكون قد نشأت من العادات الاستهلاكية (بسبب هذا النمو وهذا التقدم) ما يتجاوز بكثير قدرة الاقتصاد القومي على مسايرة هذه العادات، وهو ما حدث بالفعل وبصورة فادحة في الولايات المتحدة حيث تضخم الميل إلى الاقتراض لتمويل الاستهلاك حتى كاد معدل الادخار أن يصبح صفرا.

بدأت إذن موجة من التشاؤم تزحف لتحل محل موجة التفاؤل السابقة، وإذا بشبح الكساد يكشف عن وجهه مهددا بأن الأمر لا يمكن أن يستمر على ما كان عليه، وأن حافز الربح المتحرر من كل قيد لا يمكن أن يأتي دائما بنتائج مرغوب فيها، وأن درجة عالية من تدخل الدولة لابد منها من جديد. هل نحن إذن على أبواب مرحلة جديدة من السياسات الكينزية، ولو مع الفارق بالطبع، الذي يتطلبه العالم الجديد؟

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu