عندما نطالع تقارير الدول والأقاليم المعنية برصد ومتابعة أحوال الإنتاج والعمل والبطالة؛ الدخول الفردية والأسرية؛ معدلات الغني ومراكمة الثروات والفقر والعوز؛ الصحة والمرض، كثيراً ما تصدمنا الأرقام والإحصاءات وتصيبنا بالحيرة والتعجب.

ففي الولايات المتحدة، الدولة الأكثر تقدماً والأقوى على مدار التاريخ، يعيش أكثر من ثلاثين مليون إنسان تحت خطر الفقر وفي كل ساعة تشهد البلاد العشرات من جرائم السرقة والاغتصاب والقتل. وفي واحدة من الدول العربية ذات الوفرة النفطية والبترودولار، لا يملك 75 في المئة من المواطنين مساكن خاصة بهم، كما لا يستطيع 55 في المئة تملك منزله من دون مساعدة مالية.

وفي عدد كبير من دول إفريقيا يفتقر البشر إلى شربة ماء أو وكسرة خبز تبقيهم على قيد الحياة، ويموت الكثيرون عطشاً وجوعاً لمجرد تأخر وكالات الإغاثة عن الوصول إليهم!..

ومؤخراً أرسلت السلطات الأيسلندية في شمال أوروبا الغني نداء استغاثة مالية عاجلة تنتشل الدولة من هاوية الإفلاس الكامل!. فما الذي يجري في عالمنا بالضبط؟!.

حديث الأزمة المالية، التي راحت تتدحرج من الولايات المتحدة في عليائها العلمي والتقني والعسكري إلى جهات الدنيا كلها بدرجات متفاوتة، يستدرجنا للتأمل في المشهد العالمي برمته.

وهنا نلحظ بالنظرة البانورامية صورة بالغة السريالية والتعقيد، تعز على الفهم والتبرير؛ أبرز ملامحها هو النكوص الإنساني العام إلى زمن البحث عن الحاجات الأساسية.. بحيث يصح الاعتقاد بأن كل مظاهر التطور والرقي العلمي التكنولوجي وعصر المعلوماتية، وما يقال عن مقارعة الإنسان للطبيعة وإشرافه على كشف قوانينها ومغالبتها، أمور مبالغ فيها.

يشهد بذلك أن الإنسانية، نقبت طبقات الأرض واستخرجت ما في باطنها وتجولت في أعماق بحارها ومحيطاتها وتجاوزت مجالها إلى عنان الفضاء حتى هبطت على القمر وحطت بالاتها على المريخ، لكنها لم تتمكن بعد من المصالحة مع نفسها، ولا هي وازنت بين مواردها واحتياجاتها لدرجة أن مئات الملايين يتحرقون شوقاً لسد أبسط مقتضيات الحياة: الماء والغذاء والكساء والمأوى والدواء والإحساس بالأمن الشخصي والاطمئنان النفسي..

لا يتعلق انعدام الحسابات الاقتصادية وغير الاقتصادية الصحيحة في إطار هذا المشهد بحماقة بعض حكومات وشعوب بلدان الجنوب الموصوفة بالتخلف فقط، وإنما تضرب هذه الحماقة خيامها أيضا وأساساً في عواصم الدول المتقدمة وسلوك نخبها الحاكمة، وسياساتها غير الرشيدة على الصعيدين الداخلي والخارجي. فالولايات المتحدة ذات الثلاثين مليونا من الفقراء، تخصص سنويا أكثر من سبعمئة مليار دولار لشؤون الدفاع ومراكمة القوة العسكرية.. وهي أنفقت على حروبها في أفغانستان والعراق ما يكفي لإغاثة قارة بحجم إفريقيا لبضع سنين من المجاعات والأوبئة والفيضانات.

لمزيد من الإيضاح، يقال إن الأزمة المالية الآخذة بناصية المجتمع الأميركي وتتداعى إلى أزمة اقتصادية أشمل في مشارق الأرض ومغاربها، تعود إلى ما يعرف بآلية «الرهن العقاري».

ومؤدى ذلك بإيجاز أن المقترضين بهدف تغطية حاجتهم الأساسية للمسكن، ما عادوا قادرين على سداد قروضهم، الأمر الذي أجبر بنوكا كبيرة على الإفلاس بعد زوال القدرة على الوفاء بحقوق المودعين. المدهش هنا أننا نتحدث عن اقتراض ملايين المواطنين لأجل تملك شقق في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، وليس في بلاد لم تغادر بعد مرحلة الصيد على سلم التقدم الحضاري!!.

للإنصاف، فإن حقيقة ما يجري في دول الرفاه والتقدم أو دول الوفرة المالية من خطايا إهدار وسوء استغلال وتوزيع للموارد والتخصيصات المالية، تثير التساؤل عن مدى صحة التصنيفات المتداولة في الأدبيات التي ترصد مستويات التطور والنمو على الصعيد العالمي؟، وكذا عن الحكمة في اتهام النخب الحاكمة في دول الجنوب وحدها باقتراف مثل هذه الخطايا ضد شعوبها؟.

فلقد تأكدنا مجددا، من ناحية، أن نخب دول الرفاه ليست بتلك العقلانية والرشد، ولا هي بنظافة الأيدي والذمم بين يدي تعاملاتها الاقتصادية مع شعوبها في الداخل ولا تجاه عوالم الآخرين في الخارج.

وأدركنا ثانيا ومجددا أيضا من سوءات ارتباط اقتصادات الدول النامية في الجنوب باقتصادات الدول المتقدمة في الشمال. هذا الارتباط الذي خلفته عهود الاستعمار الغربي ثم أحيته وشحذتة ظاهرة العولمة. وربما لاحظ البعض معنا أن مظاهر الرخاء والانتعاش التي تحظى بها اقتصادات دول الشمال في بعض مراحل، لا تلقى أصداء مماثلة ولا تنتقل بسهولة في عالم الجنوب..

هذا على حين لا يستغرق استطراق لحظات الضيق والعسر من المتقدمين إلى المتخلفين سوى يوما أو بعض يوم. معنى ذلك أن أهل الشمال والجنوب شركاء في الغرم فقط، فيما هم متمايزون ومتفرقون في أيام الغنم.

وإذا كان فقه التقدم الغربي قد دأب على معايرة شعوب الجنوب والمفاخرة عليهم بزعم أن منتجات العقل الغربي قد انتقلت إليهم بسهولة، فان على هذا الفقه الاعتراف بأن أزمات الغرب تشق طريقها إلى هذه الشعوب على نحو أكثر سهولة. هذا دون الحديث عن استحواذ الغرب على المقدرات التي تقيه شرور استفحال الأزمات وامتدادها في المكان والزمان.

بينما تباغت الأزمات شعوب الجنوب وهي تعاني أصلا من معضلات أخرى مزمنة.. الأمر الذي يفاقم أوضاعها إلى حافة الجحيم. وفي التحليل النهائي يجوز القول بأن نيران مساوئ أهل الجنوب، حكاما ونخبا،لا تحرق إلا مواضعها، بينما توشك مساوئ أهل الشمال أن تصل بلظاها وشواظها إلى سكان المعمورة بقضهم وقضيضهم.

وعلى ضفاف الأزمة المالية التي بدأت في الولايات المتحدة والشمال ثم مضت سريعا نحو التعولم، ربما كان من الضروري إعادة التدبر في دور الدولة والقطاع العام مقابل دور رأس المال والقطاع الخاص. فالأزمة تثير شكوكا قوية ومقبولة في نظرية «الدولة الحارس» التي تكتفي بمراقبة آليات السوق وحركة المال والأعمال؛ الاقتصاد عموما، عن بعد.

لقد ثبت يقينا بأن الدولة ليست ولا ينبغي لها أن تكون مجرد كيان محايد فيها يخص التفاعلات المجتمعية، وأنه بدون مبادراتها ومداخلاتها على خطوط هذه التفاعلات يصبح التحكم في مسار الأزمات والانسدادات الطارئة وكبح جماحها أمرا في حكم المستحيل. ونحسب أنه لن يكون بلا مغزى بأثر مستقبلي لجوء الحكومات في أمهات القوى الرأسمالية إلى إجراءات طارئة بعضها يكاد يستعيد ويداعب أحلام الاشتراكية والاشتراكيين.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com