لم أفهم ما قصد له زميلي ذلك عندما سألني - ونحن نقطع الستة كيلومترات المعتادة كل ليلة مشيا على الأقدام - إن كانت هناك علاقة منطقية بين النقاط السوداء التي تمنحها إدارات المرور للسائقين والثقوب السوداء التي تبلع المجرات؟ كلانا انفجر ضاحكا بعد برهة من التوقف المفاجئ ونظرة الاستغراب أمام سؤال غير متوقع!
وبالفعل، هناك نقاط سوداء كثيرة منتشرة هذه الأيام تبلع البشر ومستقبلهم بأشكال مختلفة.
أولا هناك النقاط السوداء في صحيفة السائقين، حيث من هنا بدأت الفكرة.
لكن المحزن في الأمر أن النقاط السوداء (طبقا لمفهوم خبراء المرور) قد تكون متأخرة جدا في مفعولها، عندما يكون صاحبها قد غادر كوكب الأرض مباشرة إلى الثقوب السوداء المنتشرة في الفضاء الكوني.
لقد ازدادت حوادث الطرقات في دولة الإمارات إلى درجة مخيفة، والأرقام المعلنة لا تعكس الواقع، والواقع من الممكن مشاهدته باختصار في ردهات مستشفيات الدولة.
وقد أخبرني أحد الأطباء المواطنين العاملين في إحدى المستشفيات بأن هناك من الإصابات التي ترد إلى قسم الحوادث ما تقشعر لها الأبدان، فهناك جماجم طائرة، وسواعد مبتورة، وأضلع مهشمة وقطع من الحديد مخترقة الجسد من اليمين إلى اليسار، وكلها بسبب السرعة الزائدة.
ونحن لسنا ضد النقاط السوداء، فقد تردع بعض المخالفين والمستهترين، ولكنها قد تكون متأخرة بعض الشيء. فماذا تفيد النقاط السوداء أيا كان عددها عندما يذهب أحد السائقين هو نفسه ضحية تهوره وسرعته الجنونية أو يذهب الآخرين ضحية له؟ ومازال الكثيرون ينادون بضبط سرعات السيارات من قبل وكالات السيارات قبل طرحها في الشوارع.
لقد أصبحت السيارة أداة قتل وانتحار علني منتشرة في كل الطرقات. فهناك من يجلس خلف عجلة القيادة وهو نصف نائم، أو نصف منتشي، أو نصف سائق، أو نصف ملم بعلامات المرور، أو نصف عابئ بحياة الآخرين، أو حتى نصف عديم الأخلاق. ومع هذا تظل السرعة الزائدة هي أكبر سبب للحوادث القاتلة في شوارع العالم. فما الذي يمنع أن تتخذ السلطات المحلية المختصة قرارا بتحديد مؤشر السرعة بحيث لا يتجاوز المئة والعشرين كيلومترا في الساعة؟ إنها قضية حياة أو موت.
والكل يقرأ في الصحف عدد المواطنين من الشباب الذين يلاقون حتفهم يوميا بسبب السرعة والتهور. ثم ماذا يمنع أن يتم تحديد السن القانونية للحصول على رخصة القيادة باثنتين وعشرين سنة بدلا من الثماني عشرة سنة؟
إن ذلك سيساهم أيضا في التقليل من الازدحام المروري. وما هو ملاحظ أيضا أن من بين أكثر المتسببين في الحوادث المميتة هم من الآسيويين، فلماذا لا يتم تحديد فئات من يحق لهم الحصول على رخص القيادة بالدولة، فمثلا أن يكونوا من هم في درجة المدراء وما فوق بدلا من (كل من هب ودب)؟
قد يعترض البعض على أن ذلك قد يؤثر على نسبة أرباح وكالات السيارات في الدولة. في هذه الحالة علينا في مقابل إرضاء وكالات السيارات أن نقبل بالفواجع المتكررة يوميا والتي يذهب ضحيتها شباب في مقتبل العمر لم نرهم ولكن نقرأ نعيهم على صفحات الجرائد. فهناك وكيل سيارات قد ضمن ربحه اليومي (وهو في الأساس ممتلئ ولا حاجة له لربح إضافي) وهناك جريدة كسبت إعلانا وهناك عائلة كاملة راحت ضحية مجاملة هذا وذاك. علينا الاختيار.
أما النقاط السوداء الأخرى فهي ما يعانيه الكثيرون من المستثمرين هذه الأيام من تدهور في حالة السوق. فقد ابتلعت هذه الثقوب المليارات على مستوى العالم وتركت أصحابها في حيرة من أمرهم بين عدم القدرة على التقدم إلى الأمام ولا التوقف ولا حتى الرجوع للخلف. واختلط الحابل بالنابل، وكل أمسى يغني على ليلاه. لقد انهارت أسواق المال بين ليلة وضحاها. ولم تسلم منه لا أميركا العليا ولا أوروبا الوسطى ولا آسيا الدنيا، وهبط سعر النفط من مئة وعشرين إلى حدود السبعين دولارا للبرميل.
صحيح أن العلاقة بين النقاط السوداء وقطرات الذهب الأسود علاقة شكلية، إلا أنها تدل على أن مستقبل البشرية معلق برحمة قشة دون أن نشعر. وإلا فما تفسير انهيار مصارف كبرى وإفلاسها في بلد يتحكم في مصير الشعوب قبل سنتين؟ إنها نقطة سوداء في تاريخ البشرية وفي أنانيتها وفي جريها خلف الربح دون النظر إلى الناحية الإنسانية.
وبالتالي وجدنا أنفسنا نحكم على نظام الرأسمالية أيضا بالفشل، كما حكمنا قبل ذلك على نظم الاشتراكية والشيوعية بالفشل وتمت محاربتها بكل الوسائل، واليوم وجدنا أنفسنا في الشارع العام بدون نظام اقتصادي بديل، غير ما بدأ يشير إليه بعض خبراء الاقتصاد العالميين بأن الإسلام يقدم منذ زمن طويل حلا مثاليا تم التغافل عنه لأسباب غير معروفة. سبحان الله.
النقاط السوداء الأخرى، قد تكون من الأهمية بمكان قد تفوق نقاط المرور ونقاط الانهيار الاقتصادي وانهيار القيم المرتبطة به. وهي ظاهرة خطيرة شبيهة بداء السرطان الذي إن لم يقتلع يتطور وينتشر ويقتل، والذي بدأ يصيب جسد المسلمين الواحد وإن استمر فسوف يفتك بهذا الدين الذي في عشر سنوات قياسية نقل العرب من الجهل إلى قمة التحضر، ومن الفوضى إلى قمة النظام، ومن العصبية إلى قمة العقل، ومن الاقتتال على شاة وبعير وبئر إلى دولة ذات نظام سياسي وإداري وقانوني وقضائي واقتصادي واجتماعي لم تعرف البشرية له مثيلا في التاريخ. إنها مسألة الاختلاف (ولا نقول الخلاف) الفكري أو المذهبي. .
اليوم نجد أنفسنا أمام إفلاس فكري وثقافي وعلمي أسوأ من إفلاس مصارف أميركا والعالم. لقد تمنيت ومعي كثيرون لو أننا قضينا كل دقيقة مضت في تقليب تلك القضية، تمنيت لو أننا قضيناها في محاولة اختراع أو اكتشاف علمي واحد يضاف إلى اختراعات البشرية عوضا عن تسخير اختراعات وعرق الآخرين .
ومنها بالتأكيد شبكة الإنترنت التي استخدمت هنا بطريقة خاطئة فأدت إلى زيادة الخلاف بين المسلمين، الذين بدورهم لم يضيفوا ولا نقطة بيضاء واحدة على اختراعات ومكتشفات العالم المتحضر، حتى أصبحنا نعيش عالة عليهم في كل مجالات العلوم والصناعات فوصلت بنا البلادة والتأخر إلى أن استخف بنا الصغير والكبير والعالم والجاهل واحتلت أرضنا وهضمت حقوقنا وتمزقت شعوبنا شر ممزق.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com