واصلت أسعار النفط انخفاضها عن مستوياتها القياسية في الأيام الماضية، ويرجع الخبراء أسباب انخفاضها إلى تراجع الطلب على النفط في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. ويرى البعض أن الطلب على النفط سيبقى منخفضاً طالما لم يَعُد الهدوء إلى أسواق المال وهو ما قد يتطلب عامين إلى ثلاثة أعوام.
هذه الآراء ليست صحيحة بشكل مطلق، فالأزمة الاقتصادية قد تؤدي إلى انخفاض طلب المصانع والمؤسسات الإنتاجية على النفط، بينما وسائل المواصلات لا تتوقف بسبب الأزمة، ويذهب أكثر من نصف الإنتاج العالمي من النفط على المواصلات البرية والبحرية والجوية.
وبالتالي فإن انخفاض الأسعار للنفط ومصادر الطاقة لا يمكن النظر إليه على أنه مؤشر مرتبط بالأزمة الاقتصادية تماما ومستمر باستمرارها، خاصة وأن المؤسسات الإنتاجية قد يتوقف بعضها في بعض الدول المتأثرة بالأزمة كثيرا بينما تستمر المؤسسات الإنتاجية في عملها في دول أخرى دون توقف أو حتى انخفاض في الإنتاج.
بل ان البعض يرى أن دولا مثل الصين والهند ودول شرق آسيا قد تستغل الأزمة وانخفاض أسعار النفط لتزيد من شرائها للنفط وتدوير عجلة إنتاجها بشكل مضاعف في ظل تراجع المؤسسات الغربية، الأمر الذي يعني أن انخفاض أسعار النفط، وإن كان مرتبطا بالأزمة، فإنه ليس بالضرورة أن يستمر معها حتى نهايتها، فالمواصلات لن تتوقف، والتدفئة في الشتاء لن تتوقف، والأسواق في آسيا ستزيد عجلة إنتاجها.
ويرى خبراء صندوق النقد الدولي، أن الأسباب الرئيسية التي تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع تبقى قائمة ولا بد من ارتفاعها مع ارتفاع طلب البلدان النامية على النفط وتراجع العرض. ومن المتوقع أن تواصل بلدان كالصين نموها وإن بوتيرة أبطأ يعود مردها إلى الأزمة المالية العالمية.
ومن المنتظر، مثلا، أن ينخفض نمو الاقتصاد الصيني من 9. 11% في العام الماضي إلى 8. 9% في العام الحالي لكنه سيظل يحتفظ بأعلى نسبة نمو إنتاجي في العالم، وستظل حاجة الصين للنفط متزايدة باستمرار، وبشكل عام تشير المؤشرات إلى أن اقتصاد البلدان النامية سينمو خلال العام الحالي بنسبة 3. 6% مقابل 4. 7% في العام الماضي. ولا يمكن أن ينخفض الطلب على النفط ما دام النمو الاقتصادي مستمرا.
وتنبأت وكالة الطاقة الدولية قبل عام بأن الطالب العالمي على النفط سيتضاعف قبل عام 2030، وناشدت حكومات البلدان المنتجة للنفط الإسراع بتوفير الحوافز المشجعة لاستثمار المال في الصناعة النفطية.
والآن يرى الخبراء أن حكومات البلدان المنتجة لا تستطيع ضمان زيادة الإنتاج بسبب النقص في القدرات الإنتاجية وبسبب عوامل أخرى متفرقة في المكسيك وفنزويلا وإيران والعراق والكويت وروسيا والسعودية، وهي البلدان التي تملك 65% من احتياطي العالم من الذهب الأسود وتبلغ نسبة إسهامها في إنتاج العالم من النفط 45%.
وفي الوقت نفسه لا تستطيع البلدان المنتجة تخفيض العرض بسرعة وبحدة من أجل دفع أسعار النفط إلى الارتفاع لأن حكومات هذه البلدان مرتبطة باتفاقية ملزمة مع حكومات البلدان المستوردة. وفضلا عن ذلك فإن إغلاق آبار النفط واختزان النفط «الزائد عن الحاجة» أمر باهظ التكاليف.
والأغلب، إذن، أن الطلب على النفط والعرض سوف يسيران في اتجاهين مختلفين خلال الأشهر القليلة المقبلة حيث العرض كما هو بينما الطلب منخفض، وهو ما يدفع أسعار النفط إلى الانخفاض. ولكن لا يمكن أن يستمر النفط في الانخفاض بأي حال من الأحوال، إلا إذا توقفت عجلة الإنتاج العالمية بنسبة تتعدى أكثر من النصف.
وهو أمر مستبعد تماما مهما بلغ حجم الأزمة، وربما لهذا يرى معظم الخبراء أن أسعار النفط لن تصل في انخفاضها إلى سعر الأربعين دولار للبرميل، وحتى إن وصلت فلن تستمر على هذا الحال أكثر من أيام معدودة ثم تعاود الارتفاع وبشكل كبير. والجدير بالذكر أن الحكومة الروسية وعدت بتخصيص مبلغ 9 مليارات دولار أميركي لأربع شركات كبرى روسية تعمل في مجال النفط والغاز لكي تدفع ديونا مستحقة لبنوك الدول الغربية.
كاتب ومحلل سياسي روسي : Luon1935@kin.ru