عقدت الولايات المتحدة اتفاقيات وأبرمت معاهدات ودخلت في تحالفات مع العديد من دول العالم، خاصة في أوروبا وآسيا. وربما لا يخلو مكان في العالم إلا و أمتد إليه النفوذ الأميركي عبر معاهدة أو أتفاق أو تحالف يحدد لها بشكل من الأشكال دوراً سياسياً وأمنياً متميزاً يعزز من هيمنتها الدولية.

ومهما اختلفت التفاصيل التي احتوتها بروتوكولات الاتفاقيات أو المعاهدات أو التحالفات التي دخلت فيها الولايات المتحدة فهي تصنف من حيث المبدأ في مجموعتين لا غير: الأولى مع شركاء والثانية مع تابعين. الاتفاقيات أو المعاهدات أو التحالفات هي في الأساس شراكة بين دولتين أو أكثر تُبرم بالدرجة الأولى لضمان أمن الدول التي تدخل فيها وغالباً ما يكون فيها طرف قوي يؤمن ذلك.

و تُجمَل نصوصها في أحيان كثيرة بتضمين بنود أخرى ذات جاذبية خاصة في متونها تتعلق بمساعدات مالية أو علمية أو ثقافية يستفيد منها الطرف الأضعف. الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق أصبحت محور أحاديث المنتديات السياسية في العراق وفي دول الجوار وذلك لقرب البت بها.

الطرفان العراقي والأميركي حريصان للوصول إلى إتفاق بشأن بنودها منذ وضعت اللبنات الأساسية لذلك في إتفاق المبادئ الذي وقعه كل من الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء العراقي في نوفمبر من العام المنصرم عبر دائرة تلفزيونية مغلقة.

هذه الاتفاقية بالنسبة للعراق وسيلة للخروج من وصاية الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهي بالنسبة للإدارة الأميركية التي أوشكت فترتها الرئاسية الثانية على الانتهاء فرصة لتعزيز رصيد الحزب الجمهوري ومرشحه في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، وتطمين للرأي العام الأميركي الذي طالما تساءل حول مستقبل القوات الأميركية في العراق.

لم يخف على الراصد لأوضاع العراق تعثر المفاوضات بشأن هذه الاتفاقية التي أحيطت بسرية تامة ولم يخف عليه كذلك الخلافات داخل المؤسسة الرسمية العراقية حولها. فقد سُحب مؤخراً ملف التفاوض من الجهة الرسمية التي اضطلعت بمسؤولية القيام به وهي وزارة الخارجية وعهد به إلى الدائرة الضيقة التي تحيط برئيس الوزراء.

هذا التعثر قد حسمته الولايات المتحدة بإرسال جون نغروبونتي نائب وزيرة خارجيتها في مهمة أنهت تردد الطرفين و تحركت في إثره الدوائر العراقية الرسمية على أعلى المستويات لتمهد السبل لضمان قبول هذه الاتفاقية أو ضمان عدم الاعتراض عليها.

وذلك بالإعلان عن تحقيق المطالب العراقية وبأن الولايات المتحدة قد قدمت الكثير من التنازلات خاصة ما يتعلق منها بالبقاء الطويل في العراق. فقد وافقت الولايات المتحدة على سحب قواتها من المدن بحلول منتصف العام القادم وانسحاب هذه القوات من العراق مع نهاية عام 2011.

وهذا في الحقيقة يطمئن الرأي العام الأميركي ويخفف في الوقت نفسه من حدة المعارضة لهذه الاتفاقية داخل العراق. إلا أن هذه الاتفاقية، كما تسرب إلى وسائل الإعلام، قد تضمنت نصاً آخر يجعل الانسحاب النهائي رهناً بالظروف الأمنية في العراق وفي المنطقة.

و إثر هذا الانفراج شهدت الساحة السياسية في العراق تحركات عديدة أبرزها تحرك رئيس الوزراء للحصول على مباركة مرجعية النجف الدينية لتوقيع الاتفاقية، وثانيهما تحرك رئيس المجلس النيابي العراقي نحو طهران ودمشق لتلطيف أجواء الرفض فيهما.

وتكتسب هذه الاتفاقية أهمية خاصة على المستوى الإقليمي ولعل أول من يتأثر بأبعادها هي دول الجوار العراقي الست، فالوجود الأميركي على مقربة منها يفرض تعديلاً في المعادلات السياسية التي ترسم ملامح المنطقة. موقف أربع من هذه الدول غير معارض أو متحفظ لعقد هذه الاتفاقية فهي بهذا الشكل أو ذاك أصدقاء للولايات المتحدة أو حلفاء لها.

أما بالنسبة للوضع في العراق فإن القوى الفاعلة التي لها حضور في ساحته سواء المشاركة في العملية السياسية أو المناوئة لها، تتبنى أحد المواقف التالية من الاتفاقية:

1. رفض تام لا يرى أن للعراق مصلحة في إبرامها

2ـ رفض متناغم مع رفض إيران لها وذلك بسبب تشابه في الأجندته مع طهران وتشابك في المصالح معها.

3ـ قبول غير مشروط بها ولأمد طويل.

4ـ قبول متحفظ يرى في توقيعها لأمد محدود ضرورة لا بد منها بسبب حالة الوهن التي تعتري العراق والتي قد تغري بعض دول الجوار للعمل على سلبه بعض حقوقه في الأرض والمياه والثروات.

وأغلب القوى الرافضة للاتفاقية أو المتحفظة عليها أو القابلة بها ترى نفسها أسيرة حالة من الصعب أن تجدها متناغمة مع فكرها أو أجندتها أو تأريخها أو طموحها. فالاحتلال الأميركي للعراق قد خلق وضعاً فكرياً تداعت فيه منظومات التقدير والتقييم السياسية التقليدية وأصيبت باختلال خطير خلطت فيه أوراق كثيرة ببعضها وأصبح الكثير من المفاهيم البديهية التي تتعلق بالوطنية موضع التباس لدى الكثيرين.

فالرافضون للاتفاقية يقبعون في خندقين متباعدين: الأول رغم رفضه لها سيرضخ للقبول بها لأنه لا يمكن أن يتناسى بأنها استحقاق لا بد من تأديته ثمناً لوصوله إلى الحكم بفعل الاحتلال الأميركي. والثاني لا يمكن أن ينسى بأنه قد أستبعد عن الحكم بفعل هذا الاحتلال وأنه رغم رفضه لها في وسائل إعلامه سيجد فيها في النهاية استحقاقا لا مفر من الإقرار بأهميته للحفاظ على كيان العراق ووحدته في هذه المرحلة الحرجة.

المعارض القوي لهذه الاتفاقية هي إيران ذات النفوذ الأقوى في الساحة السياسية العراقية والتي تنازع الولايات المتحدة على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط. معارضة إيران الشديدة تنطلق من حقيقة تخوفها من أن هذه الاتفاقية تنهي أحلامها بتبعية النظام الحاكم في بغداد لسياساتها.

وهو حلم بدأت بعض القوى المقربة من طهران بوأده عبر إتخاذها مواقف وطنية عراقية يطغي فيها الانتماء الأوسع على الانتماءات الضيقة التي لم تستطع أن تنجز لمن إنخرط في جوقة منشديها سوى الضياع والتشرذم. كما تنظر طهران بقلق كبير إلى الوجود العسكري الأميركي في الجوار المباشر لها.

الخلافات بين الفرقاء العراقيين حول الاتفاقية لم تعد سرأً، فقد بدأت الاتهامات تكال لبعض الفصائل المشاركة في الحكم متهمة إياها بالاصطفاف مع إيران لعرقلة إبرام الاتفاقية في الوقت الذي صعدت فيه الولايات المتحدة من اتهاماتها لإيران للسبب نفسه.

ففي أخطر اتهام لإيران حتى الآن صرح الجنرال أوديرنو القائد الجديد للقوات الأميركية في العراق لصحيفة الواشنطن بوست بأن جهات إيرانية تقوم بتقديم الرشاوى إلى أعضاء في مجلس النواب العراقي لعرقلة تمرير الاتفاقية في المجلس.

الرأي العام داخل العراق وخارجه يستمع إلى الطرفين العراقي والأميركي دون أن يفوته ملاحظة أنهما يحرصان على صياغة تصريحاتهما وإبقائها بطابع عمومي بعيداً عن الدخول في التفصيلات حول ما تنص عليه الاتفاقية، وهما بذلك لا يجانبان الحكمة، فقد قيل قديماً بأن الشيطان يكمن في التفاصيل.

كاتب عراقي : majamal@emirates.net.ae