تثير العملية العسكرية الناجحة التي نفذها حزب العمال الكردستاني التركي الأسبوع الماضي في اكتوتون في جنوب شرق تركيا الجدل حول أن الحل العسكري الذي اعتمده النظام ضد حزب العمال ليس هو الحل الأمثل ويشوبه الكثير من القصور.
فهي تأتي بعد أشهر قليلة من الاجتياح التركي لشمال العراق الذي كان مبرره هو وقف العمليات التي تنطلق من شمال العراق، واجتثاث جذور حزب العمال الكردستاني الذي أكدت العملية الأخيرة انه لم يتأثر بهذه السياسة التركية بل اثبت مرونة وكفاءة هائلة مكنته من رد الضربة إلى الحكومة التركية.
وحسبما يرى محللون أتراك فإن الهجوم الأخير يمثل هزيمة كبيرة لنظرية الردع العسكري الذي تتبناه المؤسسة العسكرية التركية. فقد تعرض مخفر حدودي فيه عشرات الجنود ورجال الأمن لهجوم من جهاته الأربع نفذه أربعمائة مسلّح عبروا ما يقرب من أربعة كيلومترات من الحدود العراقية من دون أن يراهم أو يرصدهم أحد، كما لو أنهم أشباح، قبل وصولهم إلى الموقع.
وقاموا بسهولة بقتل 17 جندياً وجرح عشرات آخرين. وكان الرد التركي لا يزيد عن اشتباكات متأخرة وخسائر في صفوف الأكراد لا تزيد وفق المصادر التركية نفسها على 23 قتيلاً كردياً.
وقد وصفت العملية بأنها الأكثر دموية منذ عدة أشهر وهو الأمر الذي دفع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى قطع جولة كان يقوم بها في دول آسيا الوسطى وعاد إلى تركيا لحضور اجتماع امني عاجل لدراسة الرد التركي على هذا الهجوم. وتعهد الرئيس التركي عبد الله جول برد قوي على الهجوم، وقال في بيان نشر على موقع الرئاسة التركية إن تركيا مصممة على الاستمرار في عملياتها ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني.
وفى الوقت الذي يبحث فيه القادة السياسيون والعسكريون في تركيا سبل الرد على الهجوم الذي شنه الأكراد بالقرب من الحدود مع العراق وعلى الرغم من أن العملية أكدت تهافت الرد العسكري للحكومة التركية وأيضا عدم جدواه فإن كافة المعطيات تؤكد أن اتجاه الحكومة التركية هو تكرار نفس المنهج السابق الخاص بشن عملية عسكرية على ما تعتقد انه قواعد حزب العمال في شمال العراق. فقد هدد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بتوغل قوات بلاده في شمال العراق إذا لزم الأمر في إطار العمليات التي يقوم بها الجيش التركي ضد معاقل حزب العمال الكردستاني هناك.
وقال أردوغان أمام كتلة حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي بعد أيام من العملية العسكرية التي شنها حزب العمال الكردستاني في اكتوتون أن هدف هذه العملية سيكون المنظمة الإرهابية فقط في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني وأنها لن تستهدف المدنيين ولا وحدة الأراضي العراقية.
وفى موضع آخر قال انه في حالة الضرورة الفعلية، سيتم إنشاء منطقة عازلة في شمال العراق كإجراء وقائي لمنع هجمات حزب العمال الكردي المحظور من هذه الأراضي. وهذا الأمر يمكن أن يفتح بابا للخلاف بين تركيا والحكومة العراقية خاصة تلك المعنية بالإدارة المحلية في شمال العراق ويرأسها الزعيم الكردي مصطفى بارازانى، بما يزيد من حدة التوتر في المنطقة المحيطة بتركيا في وقت تبحث فيه عن الاستقرار.
وبالطبع فإن العملية الأخيرة تؤكد أن عملية الشتاء الماضي التركية في شمال العراق لم تحقق النتائج المرجوة منها، فهذا يعني حسب أكثر من محلل أن الردّ الجديد يمكن أن يكون أوسع وأقسى من عملية الشتاء. ويفترض الردّ أن يكون رسالة قوية إلى كل الجهات الداعمة أو الحاضنة لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق. لكنها تتطلب تحضيراً عسكرياً وسياسياً.
وهذا يفترض أنها ليست وشيكة إلا إذا كانت تركيا مستعدة لمواجهة عسكرية طويلة المدى مع أكراد العراق، وغير مهتمة بعلاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، وهذا الأمر مستبعد في الوقت الراهن، خاصة وان مثل هذه العملية قد تخلط الأوراق الأميركية في العراق وتطرح عليها تحديات خاصة بتأسيس تحالفات جديدة هناك تختلف عن تحالفاتها الحالية المستقرة.
وحسبما نقلت وسائل الإعلام التركية عن مصادر عسكرية ودبلوماسية، أن تركيا بدأت في حملة دبلوماسية هدفها الحصول على موافقة واشنطن والأمم المتحدة على دخول القوات التركية شمال العراق لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، وإقامة منطقة عازلة هناك بعرض يصل إلى 30 كيلومترا.
وأشارت المصادر إلى أن اتفاقا كان موقعا بين العراق وتركيا يتيح لها إدخال قواتها في عمليات مطاردة لهذه العناصر داخل الأراضي العراقية انتهى رسميا عام 1988، إلا أن هناك معاهدة عمرها 60 عاما موقعة بين البلدين تتيح للقوات التركية أن تواصل عملياتها في الأراضي العراقية.
ولدى تركيا بالفعل نحو 12 موقعا عسكريا صغيرا داخل الأراضي العراقية، إلا أن أبعدها لا يتجاوز 3 كيلومترات داخل الأراضي العراقية. وهذه المسافة يبدو أنها غير كافية لكي توقف تركيا هجمات حزب العمال الكردستاني انطلاقا من الأراضي العراقية.
والحاصل أن عدم جدوى الأسلوب التركي في التصدي لحزب العامل سواء داخليا أم عبر التصدي لعناصره داخل الأراضي العراقية يعود إلى سبب بسيط يدركه معظم السياسيين الأتراك وهو أنها لم تسعى إلى نزع الشرعية السياسية عنه من خلال سياسة متعددة المحاور تؤدى في النهاية إلى انفضاض الشباب عنه وفشله في تجنيدهم.
ولكن ذلك لا يحدث لان النخبة التركية تواجه الحزب منذ بداية عملياته عام 1984 بمحور وحيد هو المحور العسكري، فهل تعترف الحكومة التركية بفشل هذا الأسلوب وتعتمد أساليب أخرى إضافية له، خاصة وأن أصواتاً داخلية بدأت تتحدث علانية حول هذا الأمر بعدما كان ذلك محرما في السياسية الداخلية؟
كاتب مصري