لا يختلف اثنان على أن السياسات الأميركية هي التي تقف وراء الأزمات التي يواجهها العالم الآن، ولكن البعض لا يريد وربما لا يجرؤ على التصريح بذلك، بينما البعض الآخر يقوله صراحة لأن الأمور لم تعد محتملة، والسياسات الأميركية يعاني منها الآخرون أكثر مما تعاني منها الولايات المتحدة نفسها .

«المطلوب، حتى يتم إيقاف الأزمة الاقتصادية ونزع فتيل التوتر السياسي الدولي، علاج مرض خطير أصاب قسما من الإدارة الأميركية، وتنفيذ خطة عملية لتحقيق الاستقرار المالي»، هذا ما قاله الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف في المؤتمر الخاص بقضايا السياسة الدولية الذي اختتمت فعالياته في مدينة إيفيان الفرنسية منذ أيام قليلة.

وأشار ميدفيديف الى أن ما يواجهه العالم اليوم هو «أزمة السياسة الأورأطلسية» التي يتمسك بها «نظام القطبية الواحدة»، أما المرض الخطير الذي يرى الرئيس الروسي ضرورة أن يتماثل بعض أركان السلطة العليا للولايات المتحدة للشفاء منه فهو «البارانويا» مضاف إليه «الهوس بالشؤون السوفييتية».

ويقصد ميدفيديف هنا بأن هناك مرضا مزمنا لدى الأميركيين على نمط «الإرهاب فوبيا» أو «الإسلام فوبيا» يمكن تسميته بـ «السوفييتية فوبيا»، ويعني هذا المرض أن روسيا، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بأكثر من عقد ونصف، مازالت تشكل خطرا كبيرا على الولايات المتحدة .

ومن الواضح أن المؤسسات السياسية الأميركية تفتقر إلى حد كبير إلى خبراء في الشؤون الروسية، وأنها مازالت تعتمد على الخبراء السابقين من زمن الحرب الباردة، ويعكس ذلك أن سياسة البيت الأبيض الأميركي الخارجية التي تنفذها كوندوليزا رايس التي انتسبت إلى المؤسسة الحاكمة الأميركية كخبيرة في الشؤون السوفييتية.

لكنها في الواقع خبيرة في سياسة صناعة الأعداء والاستعداد للحروب وخلق النزاعات، وهي السياسة التي أسهمت إسهاما كبيرا في افتعال الأزمة السياسية والاقتصادية التي يعاني منها العالم في الوقت الراهن، إنها هي نفس السياسة التي تتعامل مع روسيا كعدو و كإمبراطورية للشر لها طموحاتها الاستعمارية وتسعى للسيطرة والهيمنة على جيرانها وعلى أوروبا كلها، وللأسف أن هناك في أوروبا من يروجون لهذه «الفوبيا» الأميركية، وخاصة من الدول الصغيرة التي انضمت للاتحاد الأوروبي حديثا.

لقد أعلن الرئيس الروسي عن خطته لإنقاذ الاقتصاد الأوروبي والعالمي من خلال ضبط الآليات المنظمة الوطنية والدولية وإنهاء إصدار سندات لا تتناسب قيمتها مع عائدات الاستثمار الحقيقية وتحقيق مكاشفة وافية في ما يخص أوضاع الشركات وتشديد مسؤولية وكالات التصنيف الائتماني، وتمكين الكل من الاستفادة من إزالة معوقات التجارة الدولية.

وعن تأميم البنوك والمؤسسات المالية في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان قال ميدفيديف إن هذا يعني اتجاها إلى «الاشتراكية المالية». وأقر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بدوره بأن نظام القطبية الواحدة لم يستطع تحمل أزمات عديدة، وشكر الرئيس الروسي على عزمه على المساهمة في الجهود التي تبذلها بلدان العالم الأخرى لحل الأزمة المالية.

ورأى المراقبون أن الرئيس الفرنسي الذي يرأس الاتحاد الأوروبي الآن أكد بذلك أن أوروبا تضع في أول اهتماماتها توثيق العلاقات مع روسيا، كما أن ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ودولا أوروبية أخرى ينهجون نفس النهج الفرنسي مؤكدين على أن التعاون مع روسيا أمر ضروري وحتمي لأوروبا وللاستقرار العالمي.

وروسيا في نفس الوقت تبدي استعدادها للمساهمة في حل الأزمات التي يواجهها العالم وتدعو إلى ديمقراطية وعدالة توزيع الثروات على كل المحتاجين إليها من شعوب العالم، وخاصة مصادر الطاقة، وتمد روسيا يدها للولايات المتحدة لمساعدتها في مواجهة أزماتها.

ورغم هذا كله مازال البعض في واشنطن مصممين على تصوير روسيا وكأنها خطر يهدد العالم. إنه منطق «الفوبيا» التي اخترعتها واشنطن لتوسيع هيمنتها على العالم، من فوبيا الشيوعية إلى فوبيا الإرهاب والتطرف، إلى الفوبيا السوفييتية، والبقية تأتي.

كاتب ومحلل سياسي روسي : Luon1935@kin.ru