منذ أن سمع الناس في منتصف سبتمبر الماضي بسقوط مؤسستين من أكبر المؤسسات المالية الأميركية، إحداهما بطلب إشهار إفلاسها (ليمان براذارز) والأخرى بعرض نفسها للبيع (ميريلينش)، أصاب الكثيرين الذعر من أن تتعرض مصارف كبرى لهجوم من الناس الذين قد يرغبون في سحب ودائعهم، ومن ان تنقبض أيدي المقرضين عن الإقراض توقعا للعجز عن السداد، فتنقبض أيدي المستثمرين عن الاستثمار.

وقد ينقص المنتجون من أعداد المشتغلين في مشروعاتهم فتزيد البطالة، فينخفض الإنفاق الاستهلاكي أيضا، فيزيد تشاؤم المستثمرين وينخفض الاستثمار أكثر.. وهكذا في حلقة مفرغة. فإذا عمّ الكساد الولايات المتحدة، انخفض طلبها على منتجات الدول الأخرى أو خفضت من استثماراتها الخارجية (و هي مستورد مهم ومستثمر مهم أيضا).

فإذا بالكساد ينتقل من دولة لأخرى، فتتكرر من جديد مأساة الكساد الشهير الذي عمّ العالم الغربي في الثلاثينات من القرن الماضي، ولم ينقذه منه إلا قيام الحرب العالمية الثانية وتطبيق نوع جديد تماما من السياسات الاقتصادية.

كان لابد أن تكثر التحليلات والتعليقات، فاستخلص البعض مما حدث دروسا في الاقتصاد، واستخلص آخرون دروسا في الأخلاق، وأما أنا فأفضل أن استخلص مما حدث درسا أو أكثر في التاريخ، فربما ساعدنا التاريخ أكثر من غيره على التنبؤ بما يمكن أن يحدث في المستقبل.

أشار الاقتصاديون إلى ما بدأ ينتشر في الولايات المتحدة من قلق، حتى من قبل السقوط المدوي لبعض المؤسسات المالية الكبرى، حول ما يحدث في مجال الائتمان العقاري، إذ انخفضت بشدة درجة استعداد المصارف المشتغلة في هذا المجال، لإقراض أصحاب المساكن والراغبين في شراء أو بناء مساكن جديدة، بعد أن ظهر أن هذه المصارف قد توسعت أكثر من اللازم في هذا الإقراض في فترة سابقة.

فتساهلت في طلب الضمانات اللازمة لإثبات القدرة على السداد، فزادت حالات العجز عن دفع أقساط الديون وفوائدها، وقد أدى هذا التضييق المفاجئ في منح القروض العقارية إلى اضطرار نسبة عالية من ملاك المساكن إلى التخلص من ملكياتهم، مما زاد شعور الناس بالضائقة الاقتصادية.

كان لابد أن ينعكس هذا الكساد الذي حدث في سوق الائتمان العقاري إلى ميادين أخرى من الاقتصاد القومي، إذ تتشابك الاستثمارات، وتعتمد المؤسسات المالية لاستمرار ازدهارها، على استمرار الازدهار في غيرها، مما أدى أخيرا إلى ذلك الانهيار الذي أشرت إليه في بداية هذا المقال في منتصف سبتمبر، فأثار كل هذا الذعر.

البداية إذن، كما يراها كثير من الاقتصاديين، كانت في سوق الائتمان العقاري، والخطأ الأساسي كان إفراط المؤسسات القائمة بهذا الائتمان، إفراطا غير مبرر في الإقراض، بحثا عن مزيد من الأرباح في ظروف لم تكن تسمح بذلك.

ولكن بعض الاقتصاديين فضّلوا استخلاص دروس تتعلق بعيوب الاعتماد المطلق على قوى السوق، وأن يكرروا ما سبق لهم أن نبهوا إليه من ضرورة السماح بحد أدنى من تدخل الدولة. ذلك أنه بمجرد انهيار هاتين المؤسستين الماليتين الكبيرتين، هبّ الاحتياطي الفيدرالي (وهو الاسم الأميركي للبنك المركزي) لضخّ أموال كبيرة في القطاع المالي بتقديم دعم لبعض المؤسسات الكبرى التي يهددها الإفلاس، أو بشراء جزء من أسهم مؤسسات أخرى لتوفير السيولة اللازمة لها.

وتقدم الرئيس بوش بطلب عاجل للكونغرس الأميركي بالموافقة على اعتماد مبلغ سبعمئة مليار دولار للحكومة لتنفق منه على هذه الأغراض بالضبط : أي منع حدوث مزيد من الانهيار في المؤسسات المالية ومن ثم حماية الاقتصاد القومي من وقوع الكساد.

وتوالت التحذيرات من الرئيس بوش ومن وزير الخزانة وغيرهما بأنه إذا لم يوافق الكونغرس على فتح هذا الاعتماد للحكومة، فإن هناك خطرا حقيقيا من تكرار كساد الثلاثينات. وحذر الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وهو رجل يتمتع بمكانة رفيعة وخبرة واسعة، من أن ما يحدث الآن في الولايات المتحدة هو أسوأ ما حدث للاقتصاد الأميركي طوال المئة عام الماضية.

علّق كثير من الاقتصاديين على هذا، في أميركا وخارجها، على نحو لايخلو من شماتة، وكأنهم يقولون لأنصار سياسة حرية السوق وعدم تدخل الدولة: «ألم نقل لكم؟ ألم ننصحكم المرة تلو المرة بأن الاعتماد المطلق على القطاع الخاص لابد أن يؤدي إلى سوء العاقبة؟ هكذا ترون أن ترك المشروعات الخاصة تجري وراء أقصى ربح، دون المطالبة بضمانات كافية، ودون حماية كافية من جانب الدولة لصغار المقترضين.

لابد أن يؤدي إلى فشل المقرضين والمقترضين على السواء، وأن ينعكس هذا الفشل على الاقتصاد القومي كله». هكذا وجد الاقتصاديون المناهضون لليبراليين الجدد، ولسياسات الرئيس بوش الاقتصادية، فرصة ذهبية لصب هجومهم على هذه السياسات من جديد، وكأن ما حدث هو الدليل الأكيد على صواب موقفهم.

ولكن هناك من المعلقين من ذهبوا إلى أبعد من هذا في الهجوم على السياسة الاقتصادية الأميركية الراهنة، معتمدين على حجج أخلاقية. فهم يشيرون بحق إلى أن الأموال الضخمة التي تطلبها الحكومة الآن من الكونغرس ليست إلا من حصيلة الضرائب التي يدفعها الشعب الأميركي، أغنياؤه وفقراؤه، بل يقع عبؤها الأكبر على الأقل دخلا، إذ إن الأغنياء لهم طرقهم في التهرب من دفع الضرائب.

وما يدفعونه لايشكل على أي حال عبئا كبيرا عليهم بسبب تضخم ثرواتهم. كيف إذن (هكذا يقول هؤلاء المعلقون) نطلب من فقراء الأميركيين أو من الشرائح الأقل دخلا، أن يقدموا الدعم لإنقاذ شركات ومؤسسات لا يذهب الجزء الأكبر من عائدها إلا إلى الأغنياء؟

ألم يكن الموقف الأخلاقي المقبول هو الموقف العكسي بالضبط؟ أي أن يزيد عبء الضريبة على أصحاب هذه المؤسسات المالية لتمويل مختلف الخدمات التي يعاني صغار الأميركيين من صعوبة الحصول عليها، كالخدمات الصحية والتعليمية؟

لاشك أن كلا من هذه المواقف الثلاثة من الأزمة المالية الحالية لايبعد كثيرا عن الصواب، ولكنى أفضّل عليها كلها تلك النظرة التي تضع ما حدث في سياقه التاريخي، بل وفي سياق تاريخي طويل المدى، إذ ان هذه النظرة التاريخية من شأنها أن تقدم لنا فهما أعمق، وربما تمدنا أيضاً بقدرة أكبر على التنبؤ بما يمكن أن يأتي به المستقبل. فما هو مضمون «هذه النظرة التاريخية»؟

كاتب مصري : sgsaafan@aucegypt.edu