كلنا نتابع الانهيارات المالية الخيالية التي تضرب العالم على خطوط الطول والعرض على سطح الكرة الأرضية... ونشاهد يومياً وجوهاً يلفها الوجوم وعيوناً لا تعرف ما يخبئ لها المستقبل القريب والبعيد.
ودولاً عظمى ممثلة في رؤسائها تجتمع (دون سابق إنذار وعلى عجل) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل انهيار السدود المالية التي تحتمي خلفها من يوم منحت استقلال الدول الفقيرة التي امتصت (وما زالت) مواردها البشرية والمالية والطبيعية تحت شعار التنمية وحماية المصالح الاستراتيجية والعولمة.
وأصبحت مصطلحات قديمة عادة ما تستخدم في ظروف الحروب والكوارث الطبيعية والمناخية (أزمات - انهيارات - هلع - رعب - خوف - صدمة - قلق - انتظار... إلخ) تسيطر على لغة المال والاقتصاد العالمي.
فقط الدول الفقيرة جنبها الفقر حدوث أي أزمة قلبية من هذا القبيل. فلم نسمع حتى لحظة كتابة هذا المقال أن مات فقير بسبب صدمة مالية، أو أزمة قلبية، أو خسارة عقارية! وهي حقيقة صحية وعلمية، فالفقراء هم أكثر البشر صحة وعافية وطول عمر.
فهم يعملون جسديا دون كلل وبالنتيجة يقومون بحرق كل نسب الدهون (إن وجدت) المسببة لأمراض العصر التي يعاني منها الأغنياء، وعادة الفقراء لا يملكون الوقت للجلوس الطويل على الكراسي بشتى أنواعها وبالتالي لا خوف عليهم وعلى أبنائهم من الضغط بأنواعه المختلفة ولا من آلام العمود الفقري، وهم ينامون بشكل منتظم دون أي قلق من شكل وألوان واتجاهات أسهم البورصات والأسهم في اليوم التالي.
العالم بأجمعه مشغول منذ عدة أسابيع في تحليل أسباب ونتائج وآثار الأزمة المالية على العالم وخاصة على الدول الصناعية والغنية. ولا أي من هذه التحليلات تبشر بخير. ولكنها كلها متفقة على مستقبل أسود الوجه.
وحيث إن العولمة لعبت دوراً كبيراً في تداخل الأحداث على المستوى العالمي، إلى درجة أن أصغر قطعة ثلج تذوب في القطب المتجمد الشمالي من الكرة الأرضية قد يترتب عليها عواقب وخيمة وغير متوقعة في جنوب إفريقيا.
فبالتالي نتج عن الأزمة المالية التي بدأت جذورها في الولايات المتحدة الأميركية وامتدت لتشمل العالم بأكمله - وهو حدث أضخم من المتوقع في عصرنا الحاضر - عدة مسائل مختلفة على كافة الأصعدة، لتعكس مدى هشاشة وحساسية النظام العالمي الذي نعيش تحت ظلاله.
فمن نتائج الأزمة المالية العالمية أن دولاً كبرى بالأمس قد تنقلب في غضون ساعات قليلة إلى دول معدمة حالها كحال الصومال وبنغلاديش وتاهيتي يجد سكانها أنفسهم بغير مأوى، ودولا كانت فقيرة بالأمس ستصبح بعد سنوات دولا غنية جدا لا تعرف كيف تتصرف بملياراتها اللامتناهية الأصفار.
من الآثار المدمرة للأزمة المالية أيضا وربما على المدى الطويل، تسريح عشرات الآلاف من العاملين من وظائفهم في مجال الصناعات الثقيلة المختلفة. وهؤلاء المسرحون وظيفيا سيكلفون بالطبع خزائن دولهم أرقاما حدث ولا حرج تحت بند الضمان الاجتماعي والصحي.
وعلى الدولة بالتالي تحمل أربع خسائر دفعة واحدة على شكل مصائب متراكمة: إفلاس وانهيار المصارف الكبرى + تقليص الإنتاج + بطالة + تكلفة خزانة الدولة أموالا باهظة لإعالة العاطلين عن العمل.
ومن المؤكد أن شراهة المرشحين ماكين وأوباما لحكم دولة عظمى كالولايات المتحدة الأميركية بدأت في لحظة الانهيار الاقتصادي والنفسي (والمتوقع وفق حسابات خبراء المال والاقتصاد أن تستمر إلى ما وراء سنوات ولايتهما)، تنحسر وتتحول هذه الشراهة إلى رغبة في ترك الفتات لصاحبها.
من النتائج الأخرى تفجر مشاعر الكراهية والحقد بين الأغنياء والفقراء في العالم. والكل على علم بأن من أهم أسباب الأزمة المالية الراهنة في الولايات المتحدة الأميركية هو فوضى الاقتراض العقاري.
وحيث إن معظم المقترضين هم من الطبقات الدنيا والمتوسطة أو الفقيرة التي لا تملك في حسابات ادخارها ما يكفيها لامتلاك مسكن فتلجأ للقروض والتسهيلات المقدمة من قبل المصارف المختصة، وبالتالي ينتج عنه عدم قدرتها على تسديد قروضها، فقد وجه الخاسرون بتهمة التسبب في الانهيارات المالية إلى هؤلاء المقترضين من فئة المعوزين، الذين وجدوا أنفسهم من جديد بدون مأوى.
وكأنك «يا أبا زيد ما غزيت». كما قد ينتج عن هذه الأزمة تزايد روح العداء بين الدول. فأوروبا الغربية ومعها دول العالم بأسره، والمشغولة حاليا بترقيع اقتصادها الذي ينطبق عليه المثل العربي «اتسع الخرق على الراقع»، تلقي باللوم على الولايات المتحدة الأميركية التي كانت قبل أمس شريكتها في الحرب على الإرهاب والتطرف الإسلامي تلك الحرب التي كانت السبب الرئيسي وراء الأزمة المالية في الولايات المتحدة.
لكن أغرب ما قد ينتج عن هذه الأزمة المالية هو ما أوردته بعض المواقع الالكترونية من نشوب نزاع من نوع آخر دفع ببعض المنظمات المعنية إلى التدخل السريع. ويتمثل هذا النزاع في مجموعة من الاتهامات التي وجهت لليهود.
ويعتقد الكثيرون أن الاقتصاد الأميركي برمته خاصة فيما يتعلق بالمصارف الكبرى التي تعتمد على الربا يقع في يد مجموعة أو شبكة من أثرياء اليهود. ووفق ما أوردته شبكة السي إن إن على موقعها الالكتروني فإنه (يبدو أن التعليقات المعادية للسامية بدأت تنتشر على نطاق واسع في غرف الدردشة على شبكة الانترنت.
وفي صفحات التعليقات على الأخبار الاقتصادية في أعقاب استفحال الأزمة التي تمر بها الأسواق المالية في الولايات المتحدة. وأشارت اللجنة إلى أن مئات التعليقات المعادية للسامية ظهرت على مواقع الانترنت في أعقاب انهيار بنك ليمان براذرز وغيرها من المؤسسات المالية التي تأثرت بأزمة القروض العقارية).
ويرى الكثير من أصحاب هذه الآراء (أن اليهود يتحملون مسؤولية هذه الأزمة بل ذهب البعض إلى حد القول إلى إن اليهود يسيطرون على الحكومة الأميركية والقطاع المالي في «إطار النظام العالمي اليهودي» وبالتالي يتحملون المسؤولية عن هذا الاضطراب المالي).
حتى كرة القدم في أوروبا لم تسلم بدورها من تبعات الانهيارات المالية، حيث قد تتعرض بعض أندية الدوري الممتاز الإنجليزية لعقوبة الاستبعاد من المشاركة في المنافسات الأوروبية بسبب مديونيتها الضخمة والتي تقدر بأكثر من 3 مليارات جنيه إسترليني.
ولننهي بأمر مضحك آخر. وفيما يبدو فإن الأزمة المالية الأميركية الحالية لم تخرج فقط من أيدي المرشحين لرئاسة البيت الأبيض، بل خرجت عن نطاق الإنسان ليدخل الحيوان في المسألة. فقد قامت الممثلة الفرنسية بريجيت باردو (التي تدافع عن حقوق الحيوان قبل الإنسان) بتوجيه السباب والشتائم لمرشحة الحزب الجمهوري لمنصب نائبة الرئيس سارة بالين واصفة إياها بـ «الغباء» و«إنها عار على النساء».
لأنها بدلا من أن تبحث عن حل للأزمة المالية التي تضرب بلادها تفكر في التنقيب عن آبار النفط في القطب المتجمد الشمالي ما قد يؤدي إلى الإضرار بالدببة المتبقية هناك. وكل ذلك الصدام البشري ما هو إلا نتيجة طبيعية للحالة النفسية المتأزمة التي يعيشها العالم والأوروبيون بشكل خاص بسبب هذه الأزمة التي ضحك فيها الفقراء على حالة الأغنياء.
جنبنا الله وإياكم شماتة الفقراء..
جامعة الإمارات dralaboodi@gmail.com